الوجود أو (أن تكون محبوبًا/رفيقًا في المحبة) - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

الوجود أو (أن تكون محبوبًا/رفيقًا في المحبة)

Mlfono Yusuf Beğtaş
الوجود أو (أن تكون محبوبًا/رفيقًا في المحبة)

إن الوجود هو أن يعرف الإنسان نفسه. وهو وعي الإنسان بحضوره، ذلك البعد من الإدراك المتمركز حول «الأنا». وهذا الوعي هو أساس إدراك الحياة ومعرفة الذات. غير أن مجرد الوجود يترك الإنسان على حافة المعنى؛ لأنه وعي ذو طابع فردي يرسم الحدود.

أما «الحبة» فهي معرفة الحقيقة عبر الذوبان في المحبة. إنها حالة وعي تتحد بالمحبة، فتحوّل «الأنا» إلى «نحن». في هذا الوعي، يقيم الإنسان صلة مع الآخر؛ فيكون بالاشتراك، وبالرحمة، وبالشفقة. و«المحبة» وعي إلهي يُتمّم غاية الوجود؛ إنها انتقال من الأنا إلى الوحدة.

إن مسيرة وجود الإنسان تتشكل بصدى هذين النداءين: الوجود و«المحبة». فالوجود يمثل الجانب المُعطى لنا من الحياة؛ أما «المحبة» فهي جوابنا نحن على الحياة. الأول عطية الخلق؛ والثاني فعل الامتنان لتلك العطية.

في الحكمة السريانية، لا يُنظر إلى الإنسان على أنه كائن من لحم وعظم فحسب، بل هو حامل «النَّفَس الإلهي».

ولهذا يقول مار أفرام (306–373): «المحبة هي طبيعة الله؛ وبقدر ما يأخذ الإنسان نصيبًا من تلك الطبيعة يقترب من الله».

تُذكّر هذه الكلمة بأن جوهر وجود الإنسان قائم على المحبة. فالوجود يكتسب معناه في نور الله؛ غير أن هذا المعنى لا يصير ظاهرًا من دون «المحبة». لأن المحبة لا تكشف حقيقتها إلا حين تُشارَك.

غير أن وعي الوجود -أي إدراك «أنا موجود»- قد يجعل الإنسان في المركز فيؤدي إلى التفريق. فهذا الوعي، وإن كان أساس الإدراك الفردي، قد يتحول إلى نزعة أنانية إن لم يُصغ بالمحبة. فالإنسان الذي يتحرك بدافع حماية ذاته ومصلحته، ينسى «الآخر»؛ فيرسم الحدود، ويفصل، ويقارن.

وهذا يخلق ضيقًا ذهنيًا وروحيًا معًا، ويدفع الإنسان إلى المعاناة. أما وعي «المحبة» فيذيب الخط الفاصل بين «الأنا» و«الأنت»، ويتحول إلى وعي توحيدي جامع. لأن «المحبة» لا تترك مجالًا للأنانية؛ فهي لا تُفرّق بل توحّد، ولا تُنتج صراعًا بل تنشئ تناغمًا. في هذا الوعي لا يكون «أنا» بل «نحن». وتضع المحبة بدل المصلحة الفردية بهجة الوجود المشترك. وهذه البهجة تفتح في العالم الداخلي للإنسان آفاقًا جديدة، وتفتح أبواب عوالم أخرى.

وفي الحكمة السريانية يُعبَّر عن هذه الحالة بمفهوم «ܚܢܢܐ (حنونو)» أي: المودّة، والمحبة الرحيمة. وهذه المحبة ليست مجرد عاطفة، بل هي حكمة روحية.

وبحسب قول مار يعقوب السروجي (451–521): «معرفة الله تمرّ عبر معرفة المحبة؛ لأن المحبة هي عين الحكمة».

لذلك، فإن الوجود يتعلق بالمعرفة؛ أما «المحبة» فتتعلق بالحكمة. فالمعرفة تجعل الإنسان قويًا في العالم؛ أما الحكمة فتجعله ذا قيمة.

الوجود هو وجود النَّفَس؛ أما «المحبة» فهي جهة ذلك النَّفَس. الوجود أصل؛ و«المحبة» ثمرة. الوجود ينتمي إلى البعد المادي؛ و«المحبة» إلى البعد الروحي. الوجود يرى العالم؛ و«المحبة» تُحسّ بالله. يُمتحن الإنسان بالوجود؛ لكنه يكتمل بـ«المحبة ».

قد يكون الإنسان «موجودًا» فقط؛ لكن الحياة حينئذٍ تكون مجرد مسار. أما حين يختار «المحبة»، فإن الحياة تكتسب معنى. لأن المحبة هي الرباط الإلهي الذي يصل جوهر الحياة بالروح.

وكما يقول مار أفرام: «المحبة سرّ يجمع روحين في نور واحد».

فالإنسان الذي يُتوّج وجوده بالأخلاق والمعنى والمسؤولية، لا يعيش فقط؛ بل يُحيي غيره. يحرر نفسه من ضيق حدود الوجود، وينتقل إلى أفق المحبة الواسع. لأن الوجود يَفنى في الزمن؛ أما «المحبة» فتترسخ في أعماق الروح.

وفي نهاية المطاف، لن يُسأل الإنسان: «هل وُجدت؟» بل «هل صرتَ ذا محبة؟». لأن القضية الأساسية ليست في السعي إلى الوجود فحسب، بل في ألا ننسى أن نصير «أهل محبة».

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com