
تُحتفل بالفترة الممتدة بين 30 مارس – 5 أبريل 2026 بوصفها أسبوع المكتبة. وخلال هذا الأسبوع، تُنظَّم في بلدنا وفي العديد من أنحاء العالم فعاليات متنوعة بهدف تشجيع عادة قراءة الكتب وتعزيز الوعي المجتمعي.
لأن المكتبات أماكن خاصة تُنمّي الإنسان وتُسهم في شفائه. فالصحة لا تُطلب في المستشفيات فقط؛ بل تُوجَد أحيانًا بين صفحات الكتب المصطفّة على رفوف المكتبات. ومن أجل أن يتمكن الإنسان من الإصغاء إلى نفسه، والسير نحو أعماقه، والعثور على الطريق المؤدي إلى ذاته، فإن من أهدأ وأعمق الرفقاء: قاعات القراءة والعمل الهادئة في المكتبات.
إن الحياة بلا كتب تبقى ناقصة وسلبية.
ومن الأهداف الأساسية لحياة صحية وذات معنى، القدرة على تحويل الحياة إلى مجالٍ للتعلّم من خلال الكتاب. لأنفسنا وللآخرين؛ وباختصار، للجميع…
إن الضعف الثقافي ليس مجرد نقص في مجال معين؛ بل هو ضعف يصيب عالم الإنسان الفكري والعاطفي والسلوكي بأكمله. وهذا الضعف، الذي يزيد من تأثير الواقع المشروط سلبًا، يؤدي إلى عمى الذات وجمود العقل.
إن قدرة الغنى المادي على منح السكينة لعالم الإنسان المعنوي والذهني، ترتبط بالعلاقة التي يقيمها مع الكتب التي تغذّي الغنى الثقافي. لأنه مهما بلغ ارتفاع جبال المادية والنزعة النفسية والأنانية؛ فإن طريق المعرفة والثقافة لا بد أن يمرّ، في نهاية المطاف، من فوق تلك الجبال.
إذ إن إهمال التعلّم الذي ينمّي الوعي الثقافي يؤدي إلى اسوداد القلب وتصلّبه. ومحاولة بناء التطوّر على قلبٍ متصلّب تشبه زرع البذور في الصخر. فكما أن البذرة تحتاج إلى تربة خصبة لكي تنبت، فإن التطور الثقافي يحتاج أيضًا إلى قلوب لم تسودّ ولم تتصلّب، وإلى تفاعلات ثقافية حيّة.
ولهذا السبب، فإن الكتاب في طريق التعلّم هو زاد الطريق، ونور العقل، وسراج القلب.
والقدرة على تحقيق ذلك من خلال فتح أجنحتنا للمحبة تحمل أهمية كبيرة من حيث التطور المجتمعي. لأن النور الذي يُشعل في طريق التعلّم لا يضيء الحاضر فقط، بل يضيء أيضًا طريق المستقبل.
وانطلاقًا من هذه المشاعر والأفكار، قمتُ يوم الخميس 2 أبريل 2026 بزيارة مدير مكتبة مديات ألتونكايا العامة، السيد يوسف باشي. وفي شخصه الكريم، عبّرتُ عن مشاعر الامتنان والشكر لكل من يبذل جهدًا في نشر عادة القراءة. كما قدّمتُ، بهذه المناسبة ذات المعنى، أربعة من مؤلفاتي المنشورة حول الثقافة السريانية هديةً إلى المكتبة.
ومن خلال هذه الزيارة، رأيتُ مرة أخرى، ضمن تفاعل فكري متبادل، أن الأمر المهم والصحيح هو ألا نفقد روح اللطف والشفقة في خضم صعوبات الحياة، وأن نُكثِر من الرحمة، وأن نُعين الإنسان على النظر إلى الإنسان الآخر بعين الفهم.
هذا هو الطريق الذي ينبغي أن يُسلك بتعظيم كرامة الإنسان وتقديسها.
وهذا هو الطريق الذي يربط الطرق الفرعية للعالم الداخلي بالطريق الرئيسي للنظام الإلهي، أي الحقيقة.
وهذا هو الطريق الجميل الذي ينبغي السير فيه، وإن كان وعرًا.
هذا الطريق هو طريق الاستنارة الداخلية. هذا الطريق هو طريق الأدب والأخلاق. هذا الطريق هو طريق أن يكون الإنسان “ذاته” لا “كغيره”، وأن يحافظ على أصالته.
وأعظم نجاح للإنسان السائر في هذا الطريق هو أن يعرف نفسه وأن يتمكن من التعامل مع ذاته.
وقد عبّر الفيلسوف القديم سينيكا عن هذه الحقيقة بعمق في قوله: «أكثر الطرق تضليلًا للإنسان هو الطريق الذي يمرّ به الجميع حتى يتآكل».
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment