حين تبرد الروح يتصلّب الإنسان - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

حين تبرد الروح يتصلّب الإنسان

Mlfono Yusuf Beğtaş
حين تبرد الروح يتصلّب الإنسان

في الثقافة السريانية، لا يصبح الإنسان إنسانًا بعقله، بل بدفء قلبه. فالقلب هو موطن المحبة. وحين تنسحب المحبة لا يفرغ القلب، بل يبرد. والقلب الذي يبرد يتجمّد مع الزمن. والقلب المتجمّد يتصلّب؛ أمّا القلب المتصلّب فيبدأ بإيذاء نفسه والآخرين. لذلك يُوصَف الشر، في كثير من الأحيان، لا بوصفه انحرافًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه برودة في الروح وحالة فراغ داخلي.

لا يستطيع الإنسان أن يطوّر التعاطف ما لم يعرف نفسه؛ وإذا لم ينمُ التعاطف، صار فهم الآخر عسيرًا. وهكذا تمضي العلاقات دون أن تتحوّل إلى لقاء حقيقي، وتعبر الحيوات دون أن تمسّ بعضها بعضًا. وهذه الحيوات التي تمرّ دون تماس تفقد مع الزمن قدرتها على الإحساس المتبادل. وانعدام الإحساس من أشدّ أنواع الفقر على الإنسان؛ لأن الإنسان لا يبقى حيًّا إلا بقدر ما يظلّ على تماس مع الحياة.

وحين يضعف هذا التماس، تبدأ الروح بالشعور بالبرد. وكلما تعمّق هذا البرد، تتكوّن في داخل الإنسان فراغات مبهمة خالية من المعنى. ومع مرور الوقت، تحوّل هذه الفراغات العالم الداخلي للإنسان إلى غرفة بلا صدى: فيها صوت وكلام، ولكن لا استجابة.

يرى القديس مار أفرام النصيبيني (306–373) القلبَ «مسكنًا للنار الإلهية». وهذه النار هي المحبة والرحمة. وحين توشك هذه النار على الخمود، قد يبدو الإنسان هادئًا من الخارج، لكنه متجمّد من الداخل. إن سرعة اشتعال الغضب في أيامنا هذه، وانتشار قلّة الاحتمال بهذا الشكل، إنما هو من برودة الروح في أعماقها. وانفجار الغضب الكبير لأسباب صغيرة إنما هو لأن الفراغات الداخلية لا تجد دفئًا يملؤها. وما يبقى فارغًا يُملأ إمّا بالغضب وإمّا بالكراهية.

وحين تبرد الروح لا تتجمّد المشاعر وحدها، بل يتجمّد المعنى أيضًا. فكلّ شيء من حيث الشكل يبدو في موضعه، لكنه منفصل من الداخل. لأن الحاسم في الحكمة السريانية ليس هيئة الفعل، بل الدفء الذي تحمله الروح. فإذا انطفأت النار الداخلية، تَصَلَّب الإنسان مهما فعل. والروح التي تبرد تُكوِّن قشرة لتحمي نفسها؛ وكلما اشتدّت هذه القشرة، لم تعد الرحمة قادرة على الدخول، ولا المحبة قادرة على الخروج.

إن عدم معرفة كيف نحبّ هو أعمق وجوه الجهل. غير أن هذا الجهل لا ينشأ من عدم المعرفة، بل من النسيان. فعندما ينسى الإنسان أنه خُلق بالمحبة، يميل إلى الامتلاك والسيطرة والإقصاء. والإنسان الذي يريد أن «يهيمن» بدلًا من أن «يخدم» يُبرّد روحه من حيث لا يشعر، ويُوسّع الفراغ الكامن في داخله شيئًا فشيئًا.

والإنسان الذي تبرد روحه ينكفئ إلى داخله. والذي ينكفئ إلى داخله لا يستطيع أن يتصل بالحياة. ومن لا يتصل بالحياة لا يقدر على إقامة علاقة؛ ومن لا يقيم علاقة ينعزل. وهذه العزلة ليست سكينة، بل قفر بارد موحش. وهذه الحال لا تُوصَف بـ«اسوداد القلب» بقدر ما تُوصَف بتجمّده. فالقلب المتجمّد لا يُنكر النور، لكنه لا يملك المرونة التي تمكّنه من حمله.

غير أنّ الحكمة السريانية تعلّمنا أن الإنسان يدفأ بالمحبة، ويذوب بالرحمة، ويبقى حيًّا بتأثير الخير وعلاقاته. إن الفراغات الداخلية تمتلئ بالمحبة؛ أمّا الفراغات التي لا تمتلئ بالمحبة فتُفسد الإنسان من الداخل. لذلك فإن أصل كل العلل هو برودة الروح، وبداية كل شفاء هي اشتعال النار الداخلية من جديد. والرحمة هي الشرارة الأولى التي تُضرِم هذه النار. والإنسان الرحيم ليس ضعيفًا، بل هو الأقرب إلى الشَّبَه الإلهي.

وهنا تكمن حكمة الحياة: إلى جانب أولئك الذين يسعون ألا تبرد أرواحهم. لأن الكون يدور بالمحبة. ومن يخرج عن هذا الدوران يفقد اتجاهه. فالقلب الذي يفقد دفأه يتحجّر؛ والقلب المتحجّر يعيش، لكنه لا يمنح الحياة.

حين تبرد الروح يتصلّب الإنسان. وحين تدفأ الروح، يعود الإنسان إنسانًا من جديد.

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com