الذات الإنسانية والقوة العاقلة: (ܢܰܦܫܳܐ ܕܒܰܪܢܳܫܳܐ ܘܚܰܝܠܳܐ ܡܠܺܝܠܳܐ) - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

الذات الإنسانية والقوة العاقلة: (ܢܰܦܫܳܐ ܕܒܰܪܢܳܫܳܐ ܘܚܰܝܠܳܐ ܡܠܺܝܠܳܐ)

Mlfono Yusuf Beğtaş
الذات الإنسانية والقوة العاقلة: (ܢܰܦܫܳܐ ܕܒܰܪܢܳܫܳܐ ܘܚܰܝܠܳܐ ܡܠܺܝܠܳܐ)

إنّ كون الإنسان سيّد ذاته (النَّفشو) أمرٌ لازمٌ لصحة الحياة الفردية والاجتماعية وسلامتها. وهذه القضية الأساسية قد شغلت الفكر الإنساني منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. وتشير مقولة أفلاطون: «كُنْ معلّمَ نفسك، وتلميذَ ضميرك» إلى هذه الضرورة.

إنّ لفظة نَفشو (nafşo) ذات الأصل السرياني، والتي تُعدّ أساساً لمفهوم النفس/النفيس في العربية، تفسّر طبقات الوجود الإنساني. ففي السريانية يُعبَّر عن الأهواء النفسانية بقولهم: ܚܰܫ̈ܐ ܢܰܦܫ̈ܳܢܳܝܐ (ḥašē nafšonōyē)، أي الشهوات النفسية.

قوى الذات الثلاث

يقسّم مور غريغوريوس يوحنان برهبرايوس (1226–1286م)، المعروف في المصادر باسم أبو الفرج، في كتابه السرياني "حَواث حكيمثو / زبدة الحكمة"، الذات إلى ثلاثة أقسام، ويعرّفها على النحو الآتي:

القوة العاقلة (الذات الروحانية): وهي التي تمكّن الإنسان من معرفة الموجودات وتدير عملياته الفكرية، وهي المصدر الرئيس للفضائل ومرتبطة ارتباطاً مباشراً بالحكمة.

القوة الغضبية (الذات الحيوانية): تمنح الإنسان القدرة على التحمّل ومواجهة الصعوبات، لكنها في الوقت ذاته تدفعه إلى الإفراط في طلب الظفر والاحترام والثناء الفارغ. وهذه القدرة على التحمّل تنبع في أصلها من دافع التغلّب والتحدّي.

القوة الشهوانية (الذات الوحشية): وهي مصدر الميول إلى اللهو واللذة والترف، وإلى الأكل والشرب والجنس.

ويرى برهبرايوس أنّ عدد الفضائل الإنسانية يتشكّل تبعاً لهذه القوى؛ فإذا قويت إحداها ضعفت الأخرى، ومن ثمّ فإنّ التوازن داخل الذات هو مفتاح الحياة الفاضلة.

الازدواجية واحتجاب الروح

تُستعمل النفس، في سياق الازدواج الداخلي للإنسان، غالباً بمعنى الأنا ذات الدلالة السلبية. وبهذا المعنى تمثّل النفس جانب الشرّ والخطيئة في الإنسان؛ إذ تدفعه إلى السوء، وتقيّده وتلوّثه، وتغمره بالخزي، وتشكل حجاباً بينه وبين الخالق.

ومن هنا تبرز أهمية كبح الأهواء النفسانية؛ لأنّ النزعات الخفية وغير المنضبطة الكامنة في الأنا تُفسد النظام الطبيعي للحياة وتحوّل انتظامه إلى فوضى. وكلّ المسألة تكمن في إدراك تلك الميول الخفية. وفي ضوء هذا الوعي ينبغي تهذيبها، بل واستئصالها من الحياة إن أمكن. إذ إنّ الطاقة الإلهية الحقيقية التي تحجبها هذه العوائق لا تظهر إلا بزوالها؛ فتدفئ الحياة وتغمرها.

ومن جهة أخرى، فإنّ النفس بمعنى الروح الحيّة تدلّ على العيش والقوة الكامنة في الحيّ، وعلى جوهر الحياة ذاته. وهي، بوصفها جوهر الحياة، كيان غير مادي يُعتقد أنّه يهب الكائنات الحيّة حياتها.

الروح: الصلة بالخالق والبوصلة الداخلية

بحسب الثقافة السريانية، تعبّر الروح عن قوة الاتصال الإلهي، وغايتها الأساسية أن تجعل قلب الإنسان حقلاً خصباً تنمو فيه بذور الحقيقة. فالروح بمثابة بوصلة داخلية، توجّه الإنسان لا من الخارج إلى الداخل، بل من الداخل إلى الخارج.

والروح كذلك أشبه بمقبسٍ للحياة؛ إذ لا بدّ أن يكون القابس متصلاً بالمصدر ليتمّ الاتصال بالخالق اتصالاً مباشراً. وما دام هذا الاتصال قائماً، فإنّ الروح تظلّ منتجة، ولوداً، وهي أصل كلّ إنتاج.

غير أنّ المقاربات المادية الدوغمائية أدّت إلى تهميش الروح وازدرائها. كما أنّ النزعات الدوغمائية والأهواء النفسانية تحول دون وصول الحقائق الإلهية إلى الإنسان، مما يصعّب تحقيق التوازن والوحدة والانسجام في الداخل والخارج.

تدبير الروح للجسد

إنّ قدرة الروح على إدارة الجسد، وأهمية هذه العلاقة وجودياً، كانت من القضايا الأساسية لدى الحكماء القدماء. وفي هذا السياق يقول مار فيلوكسينوس المنبجي (+523م):   «إذا حكمت الروح الجسد، تحوّلت جميع استجاباته إلى استجابات سليمة مستقرة، وبلغ الإنسان توازناً يليق به. أمّا إذا تولّى الجسد قيادة الروح، دخلت الأساليب والاستجابات الحيوانية/النفسانية حيّز الفعل... فالروح التي تلتصق بفكر الجسد تعجز عن إدارته، بل تعجز عن رؤية نفسها. وكالعيمان الذين لا يبصرون ذواتهم، تُحرَم من كلّ إدراك. وكذلك الروح التي تعميها شهوات الخطيئة، لا ترى لا نفسها ولا ما هو أبعد منها.»

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com