
إن الألوان لا تُرى بالعين فحسب؛ بل تخاطب الذهن والقلب أيضًا بما تحمله من إيحاءات. فاللون الأبيض يذكّر بالنقاء والتطهّر. لذلك فإن الثلج ليس مجرد ظاهرة طبيعية؛ بل هو تطهير رحيم، وغطاء يُنقّي حتى ما لا يُرى. وليس من العبث أن يُقال بين الناس، في أوقات ازدياد الأوبئة: «ليت الثلج يهطل لتنقّى الأجواء». فهذه العبارة تعبير بسيط عن الأمل الذي يحمّله الإنسان للطبيعة، وعن رغبته في التطهّر.
عندما يهطل الثلج على ماردين، ورغم ما يحدث من اضطرابات في المواصلات، يُشعَر بأن الهواء قد أصبح أكثر صفاءً. وأمنيتي أن تمتدّ مشاعر النقاء التي يحملها هذا الثلج إلى جميع أيام عام 2026. بحيث لا يتجدّد هواؤنا فقط؛ بل يتجدّد أيضًا جهازنا المناعي، وعالمنا الفكري، وبنيتنا الأخلاقية. فالإنسان ليس كيانًا جسديًا فحسب؛ بل إن البُنى الإدارية والذهنية والوجدانية تتعب مع الزمن وتحتاج إلى تطهّر.
لأنه حين يحين الوقت، فإن كل واحدٍ منا سيترك مكانه في مجرى الحياة، مثل ورقةٍ تنفصل عن غصن شجرة وتسقط إلى الأرض. غير أن هذا السقوط ليس انفصالًا عديم المعنى. فالورقة التي تسقط من شجرة حيّة تمتزج بالتربة؛ وأثناء تحلّلها تُغذّي، وأثناء زوالها تُقوّي الجذور. والحياة كذلك. فأخطاؤنا، وزلاتنا، ونقائصنا تشبه أوراقًا تسقط منّا. وإذا استطعنا، بدل إنكارها، أن نعترف بها من خلال نقدٍ ذاتي صادق، فإن هذه الأخطاء تتحوّل إلى إمكانية تُغذّي جذورنا الفكرية. وأحيانًا، عند النظر إلى الوراء، يُرى أن أعظم القفزات قد نشأت تحديدًا من لحظات الانكسار تلك.
غير أن هذا التحوّل لا يحدث من تلقاء نفسه. بل يتطلّب التمسّك بالمحبة الحقيقية، النقيّة والهادئة كالثّلج.
إن المحبة الحقيقية ليست شعورًا عابرًا؛ بل هي اختيار واعٍ ونمط حياة متجذّر. لا تتعجّل، بل تنتظر بصبر. تُصغي دون أن تُدين، وتقترب دون أن تُؤذي. لا تُبرز ذاتها، ولا تسعى إلى التصفيق؛ بل توجد بهدوء. ومحبة المسيح هي على هذا النحو تمامًا: ليست أنانية، بل إيثارية. لا تضع مصلحتها في المركز؛ بل تُقدّم الخدمة والإتمام من أجل تكثير الخير.
هذه المحبة تُليّن القلوب المتحجّرة؛ وتُصلح المنكسر، وتنقل العلاقات من السطح إلى العمق. وتترك حيثما تلمس دفئًا داخليًا؛ وتُولّد شعورًا بالأمان يحيط بالروح. لأن المحبة الحقيقية تعكس الجريان الإلهي؛ فهي لا تستمدّ مصدرها من نزوات عابرة، بل من المطلق.
وكما يقول القديس بولس: «المحبة تتأنّى وترفق. المحبة لا تحسد، ولا تتفاخر، ولا تنتفخ. ولا تقبّح، ولا تطلب ما لنفسها. ولا تحتدّ، ولا تظنّ السوء. ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق. وتحتمل كل شيء، وتصدّق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء» (1 كورنثوس 13: 4–7).
إن الذين يعيشون بالمحبة الحقيقية يكونون نورًا في الظلمة، ومعنى في الضجيج، ورجاءً في الألم. لأن المحبة الحقيقية هي الصورة الظاهرة للنور الإلهي الكامن في قلب الإنسان. دمتم في فرح وسلام بالمحبة.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment