السطحية الداخلية وأخلاق التأويل - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

السطحية الداخلية وأخلاق التأويل

Mlfono Yusuf Beğtaş
السطحية الداخلية وأخلاق التأويل

ثمّة خيطٌ دقيق، لكنه حاسم، يفصل بين النظر والرؤية. وهذا الخيط يؤثّر جذرياً في كيفية قراءتنا للأحداث والناس. غير أنّ الذين يفتقرون إلى عمق القلب والنضج الاجتماعي يظنّون أنّ تجاوز هذا الخيط لا يكون إلا بالعقل وحده؛ فلا يحسبون حساباً لدور القلب والضمير والنية. والحال أنّ الإنسان كثيراً ما يدرك الخارج على قدر سعة عالمه الداخلي أو ضيقه. فكلٌّ يشكّل ما يراه وفق وعائه الذهني؛ ويُضفي عليه المعنى بقدر مقياسه، ويقيّمه أيضاً في حدود ذلك المقياس.

ولهذا فإنّ قسطاً كبيراً من التعليقات السلبية التي تُقال على عجل لا تعكس الحقيقة، بل تعكس العالم الداخلي لصاحبها. تتقدّم العاطفة، ويقصر التقييم، وتغدو النظرة متمركزة حول "الأنا". فالمرء لا يعلّق على ما يراه، بل على ما يمرّره عبر مرشّحه الخاص.

غير أنّه ينبغي هنا إجراء تمييز مهم: فالتأويلات الصادرة عن إدراكات سطحية ومختلّة تؤدّي غالباً إلى مغالطة الربط. ذلك أنّ كل تأويل نابع من سطحية داخلية ليس بالضرورة حسن النيّة. فبعضها ينشأ فعلاً من نقص في العمق؛ حيث يتكلّم المرء من داخل سطحيّته دون وعي. ولكنّ بعض التأويلات تُصاغ عمداً بقصد التحريف والتغبيش وتقويض الاعتبار. فالمسألة ليست مسألة قدرة فحسب، بل هي أحياناً مسألة نيّة أيضاً. ومن ثمّ فإنّ الإدراكات المختلّة تتغذّى من مصدرين: نقص الوعي، والمكر المتعمّد.

إنّ التأويل ليس مجرّد كفاءة ذهنية، بل هو كذلك حالة من النضج الأخلاقي. إذ إنّ التأويل الإيجابي لا يقترب إلا من القلوب القادرة حقاً على حمله. فالجوهرة، في عين عاديّة، ليست إلا حجراً؛ أمّا عند الصائغ فهي لا تُقدّر بثمن. والفارق ليس في الشيء، بل في الناظر.

إنّ التقييمات التي تتغذّى من سعة الحكمة تُنتج الخير في الحياة؛ وترفع الإنسان والمجتمع. أمّا التأويلات التي تنبع من أنانيّة الأنا فتُنتج الضرر؛ تُرهق وتُسقِط وتُذِلّ. فالخدمة التي تُقدَّم بإخلاص وتفانٍ لا تجد قيمتها الحقيقية إلا في العقول التي تدركها. أمّا العقول المحرومة من معرفة الصورة الكبرى، ومن هداية الضمير، ومن حسّ العدالة، فإنّها تلجأ بسهولة إلى ظلال الأحكام المسبقة. وفي مثل هذه الأحوال تتقدّم التصوّرات على الحقيقة؛ فيُصدَّق الوهم بدل المرئي.

إنّ الإنسان الفاضل، الذي يوقّر كرامة الإنسان وجهده، والذي يحمل دوافع بنّاءة، يقرأ الآخر بحسن نيّة. ينظر بنقاء، ويفكّر بنقاء، ويتصرّف بنقاء. أمّا في المواقف الأنانية التي تحرّكها دوافع فاسدة، فإنّ الأحكام المسبقة هي التي تتكلّم. فالمتكبّر يظنّ الجميع متكبّرين؛ وصاحب الأنا يرى الجميع أصحاب أهواء. ومن حُرم الفضيلة لا يرى الفضيلة في غيره. والكاذب يظنّ الجميع كاذبين؛ والسارق يحسب الناس جميعاً انتهازيين. وغالباً ما يرى الإنسان في الآخر انعكاس مرآته الداخلية. ولهذا فإنّ القول: "المرء يقيس غيره على نفسه" يتطابق مع مفهوم الإسقاط في علم النفس.

وقد عبّر المسيح عن هذه الحقيقة بعمق في قوله: "سراج الجسد هو العين؛ فإن كانت عينك سليمة فجسدك كلّه يكون نيراً، وإن كانت عينك فاسدة فجسدك كلّه يكون مظلماً" (متى 6: 22–23). والمقصود بالعين هنا ليس مجرّد الإبصار الحسّي، بل نمط الرؤية الذي يُنير عالم الإنسان الداخلي أو يظلمه. فالجمال ليس في المنظور، بل في صفة الناظر. فالعين التي ترى الجمال إنما تعكس الجمال الكامن في داخلها. فجمال العين من نور الروح. والعين التي تدرك الجمال تشير إلى روح تحمل الجمال وإلى يقظة. أمّا العين التي لا تراه فتنظر من وراء حجاب ظلمتها. ولذلك قيل: "حقيقة الإنسان هي ما ترى به عينه. فالعين باب القلب؛ فإذا تلوّث القلب خبا نور العين."

وعليه، فإنّ الجمال ليس صفة خارجية فحسب؛ بل هو وثيق الصلة بعالم من يراه الداخلي. فالصفاء الداخلي يجعل فضائل الآخرين أكثر ظهوراً. أمّا إذا كان الداخل ملوّثاً ومضطرباً، فإنّ الخير والأخلاق في الآخر يكادان يغيبان. وهذا يتعلّق بطبيعة العين الناظرة أكثر ممّا يتعلّق بالشيء المنظور. فالإنسان ضيّق الذهن، معكّر القلب، قد ينظر إلى أجمل منظر، ومع ذلك لا يبلغ جوهر الجمال؛ لأنّ وعيه لم يترسّخ فيه بعدُ إدراكُ العلاقة الندية المتكاملة القائمة على الاحترام والمساواة بين الذوات. غير أنّ أكثر النقاط عمىً لدى الناس تكمن هنا تحديداً: فإذا كان في الداخل ما يزال يعمل وعيُ "التشييء / الاستغلال–الابتزاز" ووعيُ المنفعة، فإنّ الإنسان يقرأ الآخر من هذا المنظار؛ بل قد لا ينتبه حتى إلى سلبيّته هو نفسه.

ومن ثمّ فالقضية ليست ما نشعر به فحسب، بل بأيّ حالة وعي نلامس ما نشعر به.

وكلّما ازداد العمق الداخلي تغيّر التأويل. فيتحوّل من الهدم إلى البناء. وكثيراً ما لا ينشأ السكون من ترك التأويل، بل من إدراك من نكون ونحن نؤوّل.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com