التسامي - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

التسامي

Malfono Yusuf Beğtaş
التسامي

إنّ التسامي الإنساني هو أن يتجاوز الإنسان حدود ذاته الضيّقة، فيكتشف الجوهر الإلهي الكامن فيه، ويُدخل هذا الجوهر في نسيج الحياة من خلال الأخلاق الفاضلة والمحبة. وليس ذلك صعوداً إلى العلاء، بل هو هبوطٌ إلى الأعماق لبلوغ منبع الحقيقة. وهو طريق رفع حُجُب الأنانية، والانتقال من "الأنا" إلى "نحن"، ثم إلى وعي "الوحدة مع سائر الوجود".

إنّ محبة الإنسان المتسامي واسعة، وفهمه شاملٌ مُحيط. وهو لا يوظّف حكمته لمجرّد المعرفة، بل لرتق الجراح، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وإنماء الأمل. لا يحبس محبته في قوالب ضيّقة؛ إذ يدرك أنّ المحبة الحقيقية تتكاثر بالمشاركة والتضامن. ومعرفته ليست للتعالي، بل للتحويل وجعل الحياة أكثر قابلية للعيش. فهو يوقد نور العلم لمنفعة الإنسانية ويوجّهه إلى مواضع الظلمة؛ لأنّ من أدرك الحقيقة عرف قوة المحبة ونفَس الرحمة المُحوِّل.

والإنسان الذي يعيش بهذا الوعي لا يحيط بعالمه الداخلي فحسب، بل يحتضن محيطه، بل وسائر الوجود. وهكذا لا يعود التسامي الإنساني مجرّد مسيرة فردية، بل يتحوّل إلى رحلة كونية؛ إذ إنّ الحقيقة تُكتشف بتجاوز الإنسان لذاته وبإقامة الصلة مع الآخرين.

وعليه، فالتسامي ليس ارتقاءً نحو السماوات، بل هو نزولٌ إلى أعماق الروح. وتقول الحكمة السريانية القديمة إنّ الحقيقة لا تُنال إلا بالحفر في الداخل؛ لأنّ صورة الله ليست نوراً يُلتمس في الآفاق البعيدة فحسب، بل هي جوهرةٌ كامنة في غرف الروح الصامتة.

إنّ الإنسان الذي يظلّ حبيس حدود ذاته الضيّقة لا يتّسع أفقه إلا بقدر ظلّه. أمّا الجوهر الإلهي الكامن في الداخل، فلا ينكشف إلا إذا رُفعت حُجُب الأنانية. وكما قال القديس مار أفرام (306–373): «صَقِّل الصورة التي في قلبك، فلا تعُدْ بحاجة إلى أن تطلب نوراً خارجك.»

إنّ التسامي ليس نضجاً فردياً فحسب، بل هو أيضاً يقظة اجتماعية؛ لأنّ من تجاوز ذاته يرى الآخر جزءاً لا يتجزّأ من وجوده. فلا يعود هناك "آخر"، بل أخٌ قد نُفخ فيه من نَفَس الله.

والمجتمعات، كالأفراد، تحمل روحاً؛ غير أنّ المجتمع الذي ينغلق على ذاته، وينشغل بمصالحه الضيّقة، يفقد مع الزمن جوهره، أي روحه. إنّ التسامي الإنساني قوةٌ تتجاوز حدود المجتمعات، وتكسر القوالب الضيّقة كالقومية المتعصّبة، والتمييز، والأنانية.

وكما قال مار يعقوب السروجي (451–521): «من يرسم للمحبة حدوداً، يقيّد روحه بالأغلال.»

ولهذا فإنّ الحرية الحقيقية والوحدة إنما تقومان على محبة تتجاوز الحدود وعلى روحٍ شاملة. وبهذا وحده يبلغ المجتمع انسجاماً وسلاماً يترددان في أعماق روحه.

إنّ التسامي الإنساني ليس محطة وصول، بل هو حالة تطهّر عميقة تُعاد صياغتها كل يوم في نسيج الحياة المعقّد، الذي كثيراً ما يكتنفه الاضطراب. يبدأ كل يوم بأملٍ متجدّد، ويُختبر في كل محنة، وفي كل ألم، وفي كل لقاء، فينضج ويتكامل. وفي هذه الرحلة، لا يكمن السموّ في الترفّع، بل في خفض القلب والانحناء بالمحبة لتخفيف أعباء الآخرين. وترتقي الروح الإنسانية حين تختار أن تبتعد عن ظلّ التسلّط البارد، وأن تكون قوةً مُتمّمةً مُيسِّرة. لأنّ الإنسانية الحقّة لا تتحقّق بالقهر، بل بالقدرة على الوجود بالمحبة، وعلى تنمية الوحدة والفهم.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com