
لكلّ مجالٍ، من حيث هو أدب، لغته الخاصة، وعالمه المفهومي، ومصطلحاته المميّزة. وكلّ أثرٍ يُكتب في مجالٍ ما ينال نصيباً من هذه الخصوصية. فإذا لم يكن القارئ مُلِمّاً بثروة ذلك المجال اللغوية، ولا بعمقه المفهومي، ولا بالخلفية التي يتغذّى منها النص، لم يكن يسيراً عليه أن يُدرك ما يقرأ إدراكاً حقيقياً. ومن ثمّ فليس ثَمَّ ما هو أَولى بالطبيعة من أن يجد صعوبةً في فهم النص في مثل هذه الحال.
ولا سيّما إذا كان عمق فكر القارئ وعالم معناه لم يبلغا النضج الكافي، فإنّ استيعاب النصوص المكتوبة بروحٍ أدبية أو بمنهجٍ فلسفي يغدو أشدّ عسراً.
ويتجلّى هذا الأمر بوضوحٍ أكبر في النصوص المكتوبة بالدقائق الأدبية للغة السريانية؛ إذ إنّ إدراك عمق اللغة الكلاسيكية لا يتوقّف على مهارةٍ نحوية فحسب، بل يقتضي حساسيةً منقوشةً في الروح. ولذلك، فإنّ عدد القادرين على قراءة السريانية بإدراك دقائقها واستيعاب جوهرها قليلٌ — وللأسف — قلّةً بيّنة.
كما أنّ عادة «عدم القراءة» الشائعة في مجتمعات الشرق تمثّل وجهاً آخر من وجوه هذه الإشكالية؛ لأنّ القراءة محبة: من لا يُحبّ لا يقرأ، ومن لا يقرأ لا يفهم، ومن لا يفهم فكأنّه لم يقرأ قطّ.
فالقراءة الحقيقية رحلةٌ صامتة يتوجّه فيها الإنسان إلى أعماق نفسه. كلّ كلمةٍ في هذه الرحلة محطة، وكلّ معنى باب. ومن استطاع أن يلج ذلك الباب، لم تعد الكلمة عنده مجرّد معرفة، بل غدت صدى نور.
وتقول الحكمة السريانية: «الفهم عطية؛ غير أنّ هذه العطية لا تُوهَب إلا للقلب المستعدّ.»
ولهذا فإنّ القراءة ليست فعلاً يُؤدّى بالعين وحدها، بل بالقلب أيضاً؛ لأنّ الكلمات تُحلَّل بالعقل، أمّا المعنى فيُحَسّ بالقلب.
وحين يقرأ الإنسان نصّاً أو يؤوّله، فإنّ نيّته، وخبرته، وأحكامه المسبقة، وقيمه، ومبادئه، وعاداته، وأخلاقه، ونشأته، ومستواه المعرفي، وثروته اللفظية، وقدرته الإدراكية، ومنظومته التقييمية، ومخاوفه وتوقّعاته؛ بل وحتى «النظّارة» التي يلبسها وهو ينظر إلى الحياة—كلّ ذلك ذو أثرٍ حاسم.
فلو كان النصّ مُذهّباً جميلاً كأنّه روضةٌ غنّاء، فإنّ من يقرأه بعدسة أيديولوجية أو بعين اعتقادٍ سلبي، لا يرى المعنى، بل يرى وهمه هو؛ لأنّ لكلّ عدسةٍ لوناً، وذلك اللون إمّا أن يكسر نور الحقيقة أو يُحرّفه.
إنّ فهم النصّ ليس فكّ ألفاظه؛ فكلّ كلمةٍ عالمٌ قائم بذاته. والمعنى ليس كامناً على سطح الحروف، بل في أعماق الروح. ولذلك فإنّ القارئ، في كثيرٍ من الأحيان، لا يقرأ النصّ، بل يقرأ حدود ضيق نظره. والعقل الذي يكتفي بالظاهر لا يسمع صوت المعنى.
فالقراءة فعلُ وعي، غير أنّه إذا لم يُصاحبه إدراك، غدا مجرّد صدى صوت. وفي هذا يقول مار يعقوب السروجي (451–521) بكلمةٍ تنطوي على حكمةٍ عميقة: «إنّ القدرة على الإدراك مع القراءة أمرٌ عظيم الأهمية؛ فإن لم تكن للإنسان قدرة على الفهم، فلا ينبغي له أن يقرأ؛ لأنّ القراءة بلا فهم بابٌ يُفتح على الظلمة.»
ذلك أنّ الحيوانات أيضاً تسمع صوت الكلام؛ أمّا نَفَس المعنى فلا يسمعه إلا الإنسان.
إنّ القراءة، في حقيقتها، هي قراءة الإنسان لذاته. فكلّ نصٍّ مرآة؛ وما نراه فيها إنّما يتعلّق بصفاء داخلنا. فإذا كانت المرآة ملوّثة، جاء الانعكاس مُعكّراً. ومهما كان النصّ لامعاً، فإنّ نظّارة القارئ إن كانت ملوّثة، انقلب النور فيها إلى ظلّ.
وغالباً ما يكون العجز عن إدراك المعنى ناشئاً لا من تعقيد الكاتب، بل من انغلاق القارئ من الداخل. فما لم تُفتح أبواب الروح، لا تنفذ الكلمات إلى الداخل.
فالقراءة ليست مجرّد تحصيل معرفة، بل هي يقظة؛ غير أنّ هذه اليقظة لا تتمّ إلا بالإدراك. فالذكاء يبتدئ به إبصار المعنى، أمّا الإدراك فيجعله مُتملَّكاً في الداخل.
ورحلة القراءة ليست رحلة معلومات، بل رحلة نضج. فإذا لم تنضج الروح، لم ينكشف المعنى. لأنّ كلّ نصٍّ يلبس هيئةً بحسب وعي قارئه: فهو عند بعضهم قاعدة، وعند آخرين طريق، وعند غيرهم سرّ. والكلمة الواحدة قد لا تجد صدى عند أحد، بينما تفتح عند آخر باباً إلهيّاً.
ليس كلّ قارئٍ يفهم كلّ نصّ؛ لأنّه لم يُهَيِّئ نفسه بعد لقراءة ذاته. فإذا ازدحم الذهن، صمت الإدراك. وللفهم لا بدّ من التخلّي أولاً: عن الأحكام المسبقة، وعن كِبْر المعرفة، وعن العجلة، وعن سلطان العادة. فإذا سكن الذهن، تنفّست الكلمات.
وقد قال القديس مار أفرام (306–373): «الكلمة مرآة الروح؛ ومن نقّى المرآة أبصر النور.»
وكثيرٌ من القرّاء يطلب المعنى من غير أن ينظر في مرآته. يمرّ على الكلمات مسرعاً، ويستهلك الجمل، غير أنّه لا يسمع نَفَس القول الكامن في قلبها؛ لأنّ المعنى لا يولد في العجلة، بل في السكينة.
فكلّ نصٍّ ميدانٌ يلتقي فيه روح القارئ بروح الكاتب. فإذا تمّ هذا اللقاء، لم تعد الكلمات تحمل المعنى، بل تصير هي المعنى ذاته.
وعندئذٍ يدرك الإنسان أنّ النصّ — أو المعنى — كان حاضراً دائماً، ولكن العين التي تُبصر قد انفتحت الآن.
وكما قال غوته: «لا يتعلّم الإنسان فهم شيءٍ ما لم يُحبّه.»
فالقراءة الواعية المصحوبة بالمحبة هي المفتاح الذي يفتح باب الإدراك؛ لأنّ من ينظر بمحبة، ويقصد الفهم، يبدأ أولاً بتنقية مرآته. وعندها لا تعود الكلمة مجرّد معرفة، بل تتحوّل إلى إشراقٍ داخلي.
فكلّ كلمة نداء، وكلّ نداء يهمس خفيةً: «تعالَ، وانظر إلى الداخل؛ فإنّ ما تقرؤه في الخارج ليس إلا صدى ما في داخلك.»
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment