المسؤولية الروحية واليقظة الضميرية - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

المسؤولية الروحية واليقظة الضميرية

Mlfono Yusuf Beğtaş
المسؤولية الروحية واليقظة الضميرية

إن رحلة الإنسان في هذا العالم لا تجري على السطح الخارجي الاجتماعي للحياة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى أعماق العالم الداخلي الروحي. وفي هذه الرحلة، كل معرفة نور، وكل وعي نداء. لأن الإنسان يتغيّر بقدر ما يعي؛ وبقدر ما يتغيّر، يتعلّم حمل المسؤولية.

المسؤولية تولد في رحم الضمير؛ فهي شعور مقدّس ينبت مع المعرفة، ويُسهم في نضج الوعي.

كل معرفة جديدة تحمل معها التزامًا. فالتعلّم ليس مجرّد إدراك، بل هو أيضًا حمل لما عُرف، وإحياؤه، ومشاركته. لذلك، فالمسؤولية هي ثمن المعرفة. والإنسان الصادق، كلما تعلّم، لم يعد يفكّر في نفسه وحدها، بل في الكلّ أيضًا. لأن الوعي يحرّر الإنسان من حدود الأنا الضيّقة، ويصله بوعي كونيّ أشمل.

المسؤولية الروحية هي تحوّل هذا الوعي إلى فعل. فكلما واصل الإنسان نموّه الداخلي، وعكس ما تعلّمه في حياته، أصبح كالنور ينعكس على محيطه. وكل خطوة واعية تُسهم في تحويل الذات والكلّ معًا. وهذه هي أولى علامات اليقظة الضميرية: أن يبدأ الإنسان في إدراك معنى وجوده ومعنى الحياة.

إن النظام الإلهي يمنح الإنسان مرارًا فرصًا للتجدّد والارتقاء. ففي كل سقوط تحذير، وفي كل اهتزاز تذكير. وكلما أصغى الإنسان لهذه النداءات، تعمّق إدراكه، واقترب أكثر من تخوم الحقيقة. والنتيجة الطبيعية لهذا الاقتراب هي نشوء وعي المسؤولية. لأن الإنسان مكلّف أولًا بإصلاح ذاته، ثم بتجميل محيطه والكلّ الذي ينتمي إليه.

المسؤولية الحقيقية ليست إلزامًا خارجيًا، بل قبولًا داخليًا. وهذا القبول هو الخطوة الأولى في الانتقال من مركزية «الأنا» إلى وعي «نحن». وكلما تعمّقت المسؤولية، وُلد في الإنسان شعور بالواجب. والواجب هو تحوّل المعرفة المدركة إلى فعل مشبع بالمحبة. عندئذ لا تعود المعرفة مجرّد فكرة، بل تصبح خدمة؛ جهدًا حكيمًا يصدر عن القلب.

والضمير، في هذه المسيرة، هو الدليل الأكثر موثوقية. إنه قوة إلهية كامنة في جوهر الروح؛ صوت صامت لكنه عادل. يميّز بين الصواب والخطأ، ويزن الإنسان بميزانه الداخلي. وفي نهاية المطاف، يعيش كل إنسان وفق حكم ضميره، ويقدّم حساب أفعاله أمام ذلك الصوت العادل.

لأن الضمير هو صدى الله في الإنسان.

المسؤولية الروحية واليقظة الضميرية نوران متكاملان: أحدهما يمثّل استنارة الوعي، والآخر نضج القلب. وبقدر ما ينجح الإنسان في الجمع بين هذين النورين في حياته، يبلغ مرتبة من الحكمة يخدم بها نفسه وكلّ الوجود.

وحينئذ يدرك أن النضج الحقيقي لا يكمن في كثرة المعرفة، بل في عمق الضمير؛ في الصدق الذي هو تجلّي الاتساق الأخلاقي، وفي الإخلاص الذي هو الممارسة الحيّة للصدق.

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com