
إن النور الكامن في داخل الإنسان هو أثمن ميراث للوجود. وهذا النور، في صفائه، هو المحبة والرحمة والتوجّه نحو الحقيقة. إنه نور يلمع ويُنير، وهو حاضر أصلًا في عالم الإنسان الروحي. وما على الإنسان إلا ألا يطفئ هذا النور وألا يحجبه. لأن كل أنانية وظلم خاليين من الإحساس بالعدل والرحمة إنما يحجبان هذا النور الداخلي، ويحولان دون لمعانه وإشراقه. وهكذا يتكوّن حجاب على القلب.
إن اللمعان هو جريان طبيعي صادر من جوهر الوجود، تمامًا كما تشرق شمس الصباح في صمت… فالشمس لا تسعى إلى إثبات نفسها، ولا تبالغ في إظهار وجودها؛ إنها تشرق فحسب، ومع إشراقها تستيقظ الحياة. اللمعان هو أن يتغذّى الإنسان من منبعه الخاص، وأن يعكس انسجامه الداخلي إلى الخارج.
أما الإضاءة، فهي أن يصبح هذا النور المتلألئ سببًا في أن يجد الآخرون طريقهم. فعندما يتعرّف الإنسان إلى نوره الذاتي ويعيشه بصدق، يبدأ بإضاءة من حوله. فيغدو ذلك النور دليلًا، وأملًا، وعزاءً للقلوب التي سقطت في الظلمة.
غير أن التظاهر ليس لمعانًا حقيقيًا ولا إضاءة. إنه قناع الكِبْر الذي يحاول أن يخفي الفراغ الداخلي بنور زائف. فهذا النور لا يفعل سوى أن يُبهِر الأبصار دون أن يدلّ على الطريق؛ يجذب الانتباه، لكنه لا يمسّ القلوب. وفي الحكمة السريانية يُسمّى هذا النوع من النور «اللمعان الخادع»، لأنه في خدمة الأنا لا في خدمة الحقيقة.
أما النور الحقيقي فينبثق من نقاء القلب والتواضع. هو لا يُخفى، لكنه لا يُستعرَض أيضًا؛ بل يجري في هدوء. لا يوجد ليكبر في أعين الآخرين، بل ليُنبت الرجاء في قلوبهم. لأن معيار النور الحقيقي لا يُقاس بالرغبة في الظهور، بل بقدرته على تيسير طريق الآخرين.
وهنا ترشدنا كلمات القديس مار أفرام (306–373): «إن الشمس لا تشرق لنفسها فقط، بل للآخرين أيضًا؛ وكذلك النور الكامن في قلب الإنسان. فإن اكتفى بتدفئة صاحبه بقي ناقصًا، أما إذا أنار للآخرين اكتمل.»
لذلك لا يكفي أن يلمع النور؛ بل ينبغي أن يتحوّل هذا اللمعان من مظهرٍ إلى إضاءة. والمسؤولية الأساسية للإنسان هي ألا يضع حجابًا أمام هذا النور الكامن فيه. لأن الحقيقة تكمن في أن يتعرّف الإنسان إلى نوره الداخلي، وأن يربط به نفسه والآخرين بالحياة.
وخلاصة القول: إن التظاهر يُبهِر الأبصار لكنه يُضلّ الطريق. والأنانية والظلم يحجبان النور ويغرقان القلب في الحجب. أما النور الذي يلمع بالتواضع، فإنه يمنح الوجود معناه، ويُنير طريق الآخرين.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment