الثنائية والولادة التي تقوي الروح - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

الثنائية والولادة التي تقوي الروح

Mlfono Yusuf Beğtaş
الثنائية والولادة التي تقوي الروح

 

اليوم، نحن على أعتاب يومٍ مقدّس يُكرّم الانعطاف الداخلي والتحول الروحي: إنها ليلة يالدو، عيد الميلاد.

في عالمٍ محدود مداركه، نحن البشر نعيش أُفقًا ضيّقًا من المعنى، وها هو هذا اليوم يتجاوز حدود مدركنا، لينفتح مداره كشفاً ونورًا، وليُفتح في الروح أبوابٌ من المعنى كانت تُسدّها دوامة الحياة اليومية.

في هذا اليوم، تلتقي خبرة القديس(مُار افرام السريانية ) (303–373)، فيعرّب عنها قائلاً:  «لما فتحت الخطيئة جناحيها وأدارت ستورها، فغطت كل شيء، حتى لا يستطيع أحد أن يرفع بصره إلى الحق؛ هبط الحق إلى الرَّحِم، وبحَدَثِ ميلاده هَدَّ بَطَلَ خداع الخطيئة.»

أما القديس أوغسطينوس (354–430) فيستنطق هذه الحقيقة بقوله: «من يومِ الأبد، من يوم عظيمٍ في عظمته المطلقة، دخل اليوم الصغير إلى يومنا القصير.»

إذن هو افتتاحٌ من العُلى إلى الأسفل، وانحدارٌ من الأعظم إلى الأصغر؛ نزولُ العظمة إلى مادة الصِّغَر، وترقّيُ الصِغَر إلى مَدَار العظمة. الصِغَر هو الإنسان؛ نحن هؤلاء. وأما العظمة فهي الله.

ومن خلال هذه العظمة، يُكشف في تدبير الروح القدس ما يخصُّ الأعلى للإنسان، وتُعرَض مُلكوت العُلى على محدودية الإنسان.

ولكي يكبر الصِغَر، لابدّ أن يُحدّث بلغة ما يخصّ المسيح، وأن يعيشه في محاكاته اليومية؛ فطريقه ليس منبثقًا من خارج، بل من الداخل، ونظام تشغيله هو الحب، ودوامه النمو في التحول والتغيير.

إن هذا الطريق ليس حالةً عابرة، بل منهجًا للحياة وطريقةً للوجود.

فليس يسوع المسيح مجرد إشارة إلى الطريق والحق والحياة، بل هو نفسه الطريق، والحق، والحياة. هذا الطريق لا يُواجه الجسد، بل يُواجه الروح، وليست دربًا مادية، بل مِسْلَكًا معنويًا.

في هذه الدرب، يستمتع الإنسان بعمق فرحة الضوء، ويعيش طعمَ إعطاء ما يأخذه.

لقد أُرسل يسوع المسيح ليتجاوز أنماط التفكير القديمة، المُعتمدة على الخوف، وليُمكّن الإنسان من حياة جديدة تُبنى على أساس الحب.

مثلما يُضيء الضوء الظلام، كذلك يُولّد ميلاده في النفس هزيمَ الخوف.

وإن التغلّب على خوفنا وقلقنا، المُغذَّيَين من الأنانية، لا يُمكن إلّا حين نرى نوره ونعيش في داخله.

حين يُستولَى على أنماط التفكير السائدة في العالم، على مدار العقل، كأنّ فيروسًا يطمعَ في الحاسوب؛ يعمل نورُ الميلاد كحامي وكشفّار، فيحمي من أخطاء الفكر،و في آنٍ واحد يُنقي هذا الفكر من برامج الخوف والأنماط السلبية.

لذا فإن ميلاد المسيح ليس حدثًا ماضيًا فقط، بل تجربةً مُتجددةً مستمرةً من المحبة في مجرى الحياة؛ وتجربة المحبة هذه هي الروح ذاته الذي يُحيي الحياة.

من منظور المعنى، يُعدّ ميلاد المسيح تجسيدًا لـ "الميلاد الروحي" الذي يُعزّز الروح ويُجدّد الوعي.

لقد تجسَّد في إنسانية البشر، لكي يُحرّرنا من بَردٍ روحي وعبودية الذات والعقال النفسي.

فعندما تبرد الروح، تُشلّ النية، ويتجمّد الفكر، ويتلوّث الكلام، ويتوقف العمل. يُصبح الإنسان غريبًا عن الإنسانية وعن ذاته، حتى عالمه الداخلي يُصاب بالصقيع، ويسود الأنانية والقسوة، ويُهان كرامة الإنسان.

هذا التجمّد هو نتيجةٌ حتميةٌ لانهيار توازن الثنائية، وانقلابها من توازن إلى صراع.

في عصرٍ يُهيمن فيه الظلم والانكسار، وُلد المسيح كرحمةٍ إلهية، ومحبةٍ غير مشروطة.

إن ميلاده يُعدّ لحظةً داخليةً وخارجيةً في آنٍ واحد، تسعى لِإنهاء الصراع بين الأنا والروح، وترسيخ سلطة الروح، وتجعلها مهيمنة في الحياة اليومية.

وهو دعوةٌ إلى إعادة بناء العالم النفسي والروحي، لتعليم الإنسان أن يُمسك بدَفّة سَفِينته، وسط أمواج وعواصف العالم الخارجي.

وكلما امتلأَ الإنسان بمعنى هذا الميلاد الذي يتدفّق من الداخل إلى الخارج، تزداد قدرته على إدراك أن الانعكاس والتغيير في الباطن، هما شرطٌ أساسي للشفاء والانتعاش.

وبهذا تُتقوّى مقاومتُه الروحية، وتُستعَدَّ توازنُ الحياة، ويُعاد بناؤها على أسس أعمق وأكثر معنى.

في اللغة السريانية، يُطلق على «النفس» أو «الأنّا» مصطلح ܢܰܦܫܐ (نَفْشَ / نَفْشَة)، ويشير إلى الجسد، وعند بعض المُعلّمين، إلى الأنانية، والذات المُعدّة في الروح، لكنها لم تُربَّ بعد.

وشريان كثيرٍ من الصراعات في عالمنا الداخلي، هو هذا الأنا غير المُقنّن والمُهذّب.

لقد وُلد المسيح ليُهدّئ هذا الصراع الداخلي المُنبعَث من النفس غير المُثقّفة؛ ولِيُعيد لروح الإنسان قوّته وإرادته في الحياة اليومية.

وأن تُزرَع عقولُنا بمعاني الروح، كالمُزارع الذي يُلقي بذوره في الأرض، لِينالَ يومًا ثمارَه الجميلة في حياة الإنسان.

ولكن مُهمّة تجديد الأرض، وجعلها خصبة، ليست سهلة طالما بقي الصراع الداخلي دون علاج، فالعيش في ثنائية مستمرة، هو من أصل التوتر في طبيعة الإنسان المُفلَّسة.

فالإنسان، دائمًا، يعيش في توترٍ بين الجسد والروح، وبين الزمني واللازمني، وبين العابر والدائم.

إن التغلّب على هذا التمزّق، وتحقيق وحدةٍ داخليةٍ واحدة، هو الهدف الأسمى في السير الروحي.

عندما يُدرك الإنسان أنه روحٌ مُتجسد في جسد، وعندما يُعمّق هذا الإدراك في وعيه، ويدمّجه في وجوده، فإن ذلك يُشكّل البداية الوَاعِيَة لعملية الخلاص.

فهذا الإدراك يُنقل الإنسان من التفكّك إلى الوحدة، ومن التباعد إلى التقارب، ومن التشتّت إلى الاتّحاد.

إذ أن السلام الداخلي ليس نتيجة نفي الاختلافات، بل ثمرة فهمٍ عميق، وتوحيدٍ لها بقوة المعرفة الصحيحة.

ميلاد المسيح في الجسد، هو إعلان صارخ عن أن هذا الصراع الداخلي، قد وُضِع في إطار مصالحةٍ سماوية، وأن ما هو إلهي قد اتّحد بما هو إنساني.

وهذا الاتحاد يحمل دلالة مُذهلة: أن الصراعات داخل الإنسان ذاته يمكنها أن تُحلَّ بالسلام، وأن الإنسان قادر على تحقيق وحدةٍ داخلية تُعيد له توازنَه وكرامته.

ومن هذا الوجه، يُعدّ ميلاد المسيح حدثًا تراجيديًا روحيًا، وثورةً داخلية تقوم على إعلان إمكانية التغلّب على الانقسام، وتحقيق الوحدة في العمق.

بميلاد المسيح، كُشف المقدّس في الإنسان، وصَارَت الحياة ظاهرةً، ومرئيةً في صورة إنسانية.

فهو مُنبَعُ كلّ المعاني، وملجأ كلّ رضاً حقيقي، ونورُ السلام الداخلي الإنساني.

وكلّما استطعنا أن نُحقّق علاقة حقيقية معه، دون أن نستبدل محبته بحبٍ آخر، ونعيش تعليمه المُحيي للحياة، نستعيد ما فَقدْناه في دواخلنا، ونُكمّل أنفسنا ونُكمّل الذين في مَدّ مَوجتها.

وكلّما امتلأَ الإنسان به، زادَ عمق وعيه، ونضجَ إدراكُه عن ذاته، وتحرّر من غرور الأنا وعِقَدِه.

وأعيُننا تلينُ كالضوءِ الآمن، وتصبحُ مواقفُنا أكثرَ نَعَتًا وانسجامًا، ونذوبُ انسيابًا في تيارِ الحياة، كأنَّا نُنَفّذ مَسارَه ونستَكينُ في حضوره.

كما قال المسيح: «تَشَجَّعُوا، أنا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا 16:33)، عندها، فإن اختيارنا الحب، والكرم، والانكسار، والتسامح، والحرية الداخلية، يجعلنا نقترب من ذاتنا الحقيقية.

أمّا إن لم تُفعَّل تعاليمه فينا، فنكون كالجهاز الذي لا يُشغَّل، واقفًا بلا طاقة، مُنفصِلًا عن شبكة الحياة.

الإنسان الخَلِيقُ من جديد في المسيح، هو الإنسان الذي دخل إلى حكم الروح، فالروح، على خلاف الأنا، لا يُسَطَّر بزمنٍ ومكان، ولا يُسيَّج بقانون التضاد.

لذا فإن الحياة الروحية لا تُلوّث، بل تُبسّط، وتجدّد، وتُجمّل.

التَّناقُض بين الأنا والروح، يُشكّل مِحَكَّة دائمة في عالمنا الداخلي.

هذا التوتر يُمركّز بين قلبٍ وعَقْل؛ فالقلب، حين يُطابِق إرادةَ الروح، يُقوّي الروح، أمّا العقل، إذا انحرف في مجالات الأنا، فهذا يُساعِد الأنا على التغذّي والانتعاش.

وكلّما تطوّرت إرادة الروح، ضَعُف تأثير الأنا، واستُعادَ توازنُ الإنسان الداخلي.

وهذا الصراع الداخلي، في كثيرٍ من الأحيان، أعمق وأخطر من العوائق والمصاعب الخارجيّة.

ومن هنا، فإن دمج ميلاد المسيح، وانعكاسه في معانيه، يُصبح مُحرّكًا لتحويل هذا الصراع إلى سلام، وقاعدةً أساسية لحياة مستقرّة ومتوازنة.

ومركز هذه القاعدة هو قول: «أنا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» (يوحنا 14:6).

فإذا تُرك هذا القول، زادت بُقعُ عُمي الباطن، وتكاثرت مُنحَى الأخطاء.

ومع تكاثر البقع العمياء، تُشَدّد الأنا، ويضيقَ الروح، ويتصلّب الإدراك.

بيد أن إنارة هذه المجالات بـ «الطريق، والحق، والحياة»، تُوسع الروح، وتُرخي الأنا، وتُكوّن فهمًا أعمق.

فالذات الحقيقية، هي تحريرُ النفس من عبوديتها، وتجاوزنا لعقد النقص أو التفوق، وتجاوزُنا لذواتنا بالذات ذاتها.

وحتى يُمكن للإنسان أن يُبحر في أعماق إنسانيته الحقيقية، لابدّ أن تُزَلَّ الطبقات النفسية التي تُغطّي الروح، فتُمسح وتُنقّى.

من هذا المنطلق، فإن ميلاد المسيح في بيت لحم، قد أضاءَ أرواحَنا بالنور، وعَمّق هويّتنا، ووسّع أفقَ وعيِنا، وعوّضَ تسيّد الأنا بالاستحقاق، وعوّضَ العنف بالخدمة.

وهو يُصلحُ نواحي الإنسان المُجرَّحَة، فيُرسِّخ التعاطف، ويزيد الرحمة، ويجعل التواضع لا يُهين الإنسان، بل يُكثّره.

وظيفة الأعياد والمواسم المقدّسة، هي أن تُقوّي الروح، وتجعله مُفعَّلًا في الحياة اليومية.

بكل هذه الأفكار، أُهنّئ، وبقلوب مُحبّة، عيد ميلاد (يالدو)، مُنتَقِلًا من عمق اشتياقٍ وعِظَم رجاء.

ولتمتلئ حياتنا بحرارة محبته، وتنور العالم بنوره، وتسكن الحروب، وتمتلئ القلوب بنوره، والعيون بإضاءته.

وأسأل أن يُحيل عام 2026، بدايةً من وطننا، ثم إلى كل أرجاء العالم، سلامًا وبركةً وازدهارًا.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com