جدلية التوازن والصمود - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

جدلية التوازن والصمود

Mlfono Yusuf Beğtaş
جدلية التوازن والصمود

يشكّل قولُ المسيح: «أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنا 10: 11) أحد أقوى التصريحات التي تشرح تعليمه. لذلك، فإن الرعاية (القيادة الرعوية) في الثقافة السريانية لا تُعدّ منصبًا أو امتيازًا بقدرما تعبّرعن فهمٍ يقوم على المحبة والخدمة وتحمل مسؤولية التفاني. فـ«الراعي الصالح» ليس مجرد من يقود، بل هو المرشد المُضحّي الذي يشعر بألم الجماعة في قلبه، ويعرفهم بأسمائهم، ويتحمّل جراحهم، ويكون مستعدًا، عند الحاجة، لأن يفني نفسه في سبيل خيرهم.

لقد تعلّمتُ، من خلال التجربة، ما الذي يعنيه أن يكون المرء توازنًا اجتماعيًا وفق منطق «الراعي الصالح» وسط الاضطرابات السياسية والتقلّبات المجتمعية، ومدى صعوبة ذلك.

أن تكون توازنًا صامدًا وسط التقلّبات…

في مسارٍ يتأرجح بين الوجود والعدم، وتبدو حدّتاه كسكّينٍ حادّ من الجانبين؛ السعي، بروحٍ ضميرية، إلى الإسهام في حضور الكنيسة وهويتها الروحية، في الشخص المعنوي لديري مار كبراييل ودير الزعفران…

وأثناء القيام بذلك، اللجوء أحيانًا إلى نقدٍ ساخرٍ بنّاءٍ انطلاقًا من فهم «الراعي الصالح»؛ وأحيانًا أخرى، تجسيد هذا الفهم بروحٍ أبويةٍ مسؤولة، وبإرادةٍ مستقلة عند الضرورة، وتحويله إلى منفعة عامة…

في طور عبدين (وخاصة في مديات)، العناية المباشرة بالإخوة المسنين العاجزين الذين لا معيل لهم من أتباع المسيح؛ واعتبار الوقوف إلى جانبهم في احتياجاتهم اليومية والصحية مسؤوليةً، وأداء ذلك بروح الخدمة…

تحمّل الكلفة في سبيل الاحتضان، وإثارة الوعي، وإظهار الشفقة، وبناء جسورالتفاهم بين مختلف فئات المجتمع…

عندما أتأمّل في الحياة التي تبنّاها والدي الراحل أبونا توما (1938–2005)، أكتب هذه الصفات التي ترتسم في ذهني انطلاقًا من حقيقة مفادها: «لكل إنسان حكاية مختلفة، لكن حكاية بعض الناس ثقيلة، حتى إن قراءتها تُتعب».

ذلك لأنه، على امتداد أربعين عامًا من خدمته الرعوية، لم يواجه تسامحًا، بل واجه في الغالب احتقارًا. ومع ذلك، لم يفقد ثراءه في القول الموجز والطريف. فقد أضفت عليه خبرةُ الملاحظة الدقيقة للحياة، وفهمُ الإنسان والأحداث، حكمةً ورهافةً في خطابه. فكان يعبّرعن المعنى بأبلغ صورة: تارةً بمثلٍ يُثير التفكير، وتارةً بنكتةٍ تُبعث على الابتسام، وتارةً بجملةٍ قصيرة لكنها نافذة إلى القلب.

لم تكن سرعة بديهته ناتجة عن التحدّث دون تفكير، بل عن خبرته العميقة، وآلامه التي عاشها، وذاكرته القوية، وقدرته على قراءة الإنسان قراءةً دقيقة. لذلك، لم تكن ردوده مجرد إجابات، بل كانت في كثير من الأحيان دروسًا مستخلصة من صميم الحياة، أو حكمةً مصفّاة عبر سنين طويلة من التجربة. لم يكن الكلام لديه وسيلة استعراض، بل جسرًا يصل إلى القلوب. كان قليل الكلام، موجزًا فيه؛ غير أن كل جملة كان يقولها تُحدث صدى ليس في العقول فحسب، بل في الضمائر أيضًا. فمجالسته لم تكن مجرد الاستماع إلى شخص، بل كانت إنصاتًا إلى صوت الحياة، والحكمة، وتجربة الإنسانية.

لأنه، في نظره، لا تتحقق النضج الروحي بمجرد العبادة، بل تكتسب معناها من خلال فهمٍ يحتضن الحياة بوصفها كلًا متكاملًا. ومن هذا المنطلق، فإن الروحانية الحقيقية هي في الوقت نفسه فهمٌ حضاري؛ فهي لا تكتفي بتثقيف العقل، بل تتطلب أيضًا تهذيب الضمير. إذ إن روحانيةً لم تنضج عبر تربية الضمير تشبه قوةً فقدت اتجاهها.

وعليه، فإن الروحانية الحقيقية لا تُجزّئ الحياة، بل تتعامل مع الإنسان والمجتمع والاختلافات بنظرة شمولية غير إقصائية. وكما في تشبيه الكرمة والغصن، لا يرى الإنسان نفسه منفصلًا عن الحياة، بل يعيش بوعي أن المجتمع وسائر الوجود مترابطان بروابط مرئية أو غير مرئية. وقد تبنّى والدي، سعيًا إلى تجسيد هذا الفهم عمليًا، رؤيةً لا تُقصي الناس بل تقرّب بينهم؛ وكان يؤمن بأن العدل والرحمة وحسن النية المتبادل والأخوّة لا يمكن أن تقوم إلا على هذا الوعي.

ولهذا، كان يذكّر كثيرًا بهذه العبارة: «إن الأشواك ستظل موجودة في الطرق التي نسلكها. فإذا لم تكن الأشواك في روح السالك وفكره، غدت الطرق الشائكة أسهل مسيرًا».

لقد سار بالفعل في طرقٍ شائكة بحكمة. وكانت دعاباته، وردود أفعاله، ومواقفه، وأحزانه، وحتى ما كان يعتريه أحيانًا من توتر واضطراب، نابعةً من الحساسية والمسؤولية التي يفرضها مفهوم «الراعي الصالح» ومن رؤيته الإصلاحية. ولم يكن الدافع الأساسي الذي وجّه حياته هو بناء حياة مريحة لنفسه، بل أداء مسؤوليته بأمانة تجاه الجماعة التي أوكلها إليه المسيح.

وقد حمل ذلك العبء الثقيل الذي ألقته الأمانة على قلبه حتى آخر أيام حياته.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1993، عندما اضطر إلى مغادرة قرية حسّانا قسرًا، قام أولًا بإيصال الأرامل والمسنين المحتاجين من أهل القرية إلى مديات. ثم، عندما غادر القرية بصفته آخر من يغادرها، التفت خلفه للمرة الأخيرة؛ ولم يكن يفارق حجارةً وبيوتًا فحسب، بل كان يترك وراءه طفولته، وذكرياته، والكنائس التي خدمها، والإرث الروحي الذي تسلّمه من والده. كان يغادر بيت أبيه قبل أن يتذوق ثمار الأشجار التي غرسها بيده. ولم يحتمل قلبه ثقل تلك اللحظة، فأصيب بنوبة قلبية في المكان. وعلى الرغم من خضوعه بعد سنوات لعملية مجازة (قلب مفتوح) نتيجة تلك الأزمة، فإنه في نهاية المطاف فارق الحياة متأثرًا بالأمراض التي أثارتها تلك النوبة.

لأن العبء الذي حمله في قلبه بعد تلك الأزمة لم يخفّ قط. فقد ظلّ يحمل بثبات، حتى آخر نفس، ثقل الأمانة التي شعر بها تجاه الكنيسة وشعبه.

ومن بعده، لم يبقِ وراءه مجرد سيرة حياة مليئة بالصعود والهبوط، بل ترك مثالًا حيًا على الأمانة والتفاني وحكمة «الراعي الصالح». إذ إنه، رغم كل الصعوبات، واصل السعي إلى عيش هذه الحكمة وتجسيدها حتى وفاته.

في تلك السنوات الماضية المضطربة والخطِرة؛ في زمنٍ دِيسَت فيه العدالة بالأقدام، وانتُهكت فيه كرامة الإنسان، واستشرى فيه العنف، كان قد اتخذ لنفسه هديًا قول: «تطهّروا من الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا» (1 كورنثوس 5: 7). فكان يرى أن تجدّد الإنسان والمجتمع على نحوٍ حقيقي مرهونٌ بالتخلّص من الأحكام المسبقة، والأحقاد، والعادات الإقصائية. ولهذا، ورغم كل السلبيات، لم يتوانَ يومًا عن السعي إلى إظهار الخير الكامن في الإنسان، وعن تعزيز قوة النور بدلًا من توسيع رقعة الظلام، وعن إبقاء الأمل حيًا، والعمل على إيجاد فهمٍ جديد.

ومع ذلك، كلما حاولت أن أفهم موقفه المتعاطف وتفانيه -الذي كان يعبّر فيه، في غير موضعه أحيانًا، عن أهمية التقدير في بيئة يُستغل فيها الجهد- أجدني، من حينٍ لآخر، لا أستطيع أن أمنع نفسي من مساءلته.

لماذا، رغم تعرّضه في المنطقة عدة مرات لاعتداءاتٍ بالحجارة ومحاولاتِ قتلٍ جماعي لمجرد كونه كاهنًا، لم يختر أن يؤسس حياةً جديدة وآمنة في أوروبا؟

ولِمَ، على الرغم من اضطراره إلى مغادرة قريته حسّانا التي نشأ فيها وأحبّها كثيرًا، اختار الثبات في مديات وسط إمكاناتٍ مادية محدودة؟

ولِمَ، في حين أن كهنةً آخرين خاطروا حتى بالحرمان الكنسي من أجل إنقاذ حياتهم وأداروا ظهورهم لطورعبدين، لم يفكّر هو قط في تحويل موقعه إلى مكسبٍ شخصي أو في الهجرة، حتى ولو كان ذلك على حساب ترك أطفاله الثلاثة في ظل خوف الموت؟

ولِمَ، رغم إيمانه العميق بالحكمة القائلة: «لا يُخاط القماش بإبرةٍ صدئة»، اختار أن يكتب قصةً جديدة من التفاني ويتحمّل عبئًا جديدًا في منطقةٍ تمزّق نسيجها الاجتماعي؟

ولِمَ، في زمنٍ اشتدت فيه صعوبات الحياة وتقلباتها، فضّل البقاء في مديات وبناء حياة جديدة، مقدّمًا رابطة الروح على رابطة الدم، بدلًا من الهجرة إلى أوروبا؟

في تلك المرحلة الحرجة التي كانت أشبه بالسيرعلى حدّ السيف، لماذا خاطر بأن يجعل قلبه المريض درعًا كالصاعقة في مواجهة الاستفزازات الخبيثة والمؤامرات التي كانت تستهدف إضعاف دير مار غابرييل واستنزافه بل وتقويضه؟

ولِمَ، في فترةٍ سادها انعدام الثقة العميق، وعندما تفشّت فكرة إفراغ طورعبدين عبر هجرة جماعية، وقف في وجه ذلك؟

ولِمَ تمسّك بكل قوته بالنضال من أجل دعم الكنيسة وتعزيزها؟

ولِمَ اختار البقاء في الوطن الأم، والعمل على تقوية الجذور، وتحمل المسؤولية لمنع مزيد من التشتّت؟

ولِمَ لم يكن يقبل ببيع تلك البيوت الحجرية الجميلة التي تمنح مديات طابعها التاريخي وروحها الجمالية؟

ولِمَ كان يُبدي اعتراضه على السريان المدياتيين الذين تركوا موطنهم القديم وباعوا بيوتهم وتركوا مديات بلا رعاية، رافعًا احتجاجًا وجدانيًا مشوبًا بالعتب؟

وفي زمنٍ طغت فيه الآلام، لماذا أجاب كاهنًا سريانيًا يعيش في أوروبا قال له: «ماذا تفعل في طورعبدين؟ لماذا لا تأتي؟ في النهاية ستتسبب في مقتل طفليك هناك»، بقوله: «حتى إن لم أستطع أن أفعل شيئًا، فأنا أقرأ في مقبرة القرية صلاة رحمة على روح أبيكم وعلى أرواح موتاكم»؟

ما الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذا الجواب؟

ولِمَ، رغم أن كثيرين- بمن فيهم أقرب أقربائه - كانوا يربطون بقاءه في مديات بمصالح مادية، أورث لابنيه هذه الوصية: «كونوا عبيدًا في وطنكم؛ ولا تفكروا أن تكونوا ملوكًا في أوروبا»؟

ولِمَ، رغم كل الأثمان التي دفعها في سبيل الكنيسة، لم يرضَ لأبنائه أيضًا أن يختاروا حياةً أكثر راحة في أوروبا؟

لماذا كان يقدّم في خطابه دائمًا العدالة، والأخوّة، والاحترام المتبادل، والضمير، والحقيقة؟

ولماذا كان يؤكد أن العمل لا يمكن أن يُنجز بفكرٍ فاسدٍ وملوّث؟

قد لا تبدو الإجابات عن هذه الأسئلة سهلة للوهلة الأولى. فبالنسبة لمن يقيس الحياة بمعايير مادية فحسب، قد يختلف معنى هذه الاختيارات. غير أنه، عند النظر بعين القلب، ومن زاوية الارتباط بالأرض، والوعي التاريخي، ومسؤولية الانتماء إلى الكنيسة والجماعة، يتّضح أن وراء هذا الموقف توجّهًا مختلفًا يقدّم الهوية الروحية وقيمها في المقام الأول.

فقد كان والدي رجل دينٍ يسعى إلى حفظ التوازن وسط الاضطرابات السياسية والاجتماعية، ويجمع بين وفائه للوطن الأم والكنيسة وبين فهم «الراعي الصالح»، ويخدم المسنين والمحتاجين إلى الرعاية. ولم يكن النجاح الحقيقي في نظره منصبًا أو لقبًا، بل تخفيف أعباء الإنسان، وتعزيز أمله، وجعل محبة المسيح مرئية في الحياة. لأنه كان يؤمن بأن مجتمعًا سليمًا وسلامًا دائمًا لا يمكن بناؤهما على مفاهيم قائمة على الأنانية، والإقصاء، والحقد، والأحكام المسبقة، والكذب، والفتنة، والفساد، والانتهازية، والمكر، وانعدام العدالة؛ ولا عبر أساليب تعيد إنتاج جراح الماضي باستمرار، وتفرّق بين الناس، وتُضعف حسن النية.

وكان يرى أن ما يداوي جراح أرضنا العريقة ليس إبرًا صدئة، بل ضميرًا نقيًا، وأخلاقًا راسخة، وعدلًا، وصدقًا، وحسن نية متبادلًا، و«خميرة» جديدة تقرّب الإنسان من أخيه. فالإبرة الصدئة لا تخيط القماش بإحكام ولا تُبقيه سليمًا، بل تُتلفه وتُضعفه وتُلحق به مزيدًا من الضرر. ولذلك كان يقول: «لا يمكن إصلاح النسيج الاجتماعي بوسائل ملوّثة؛ ولا يمكن تحقيق التعافي المجتمعي».

ومع مرور الوقت أدركت أن هذه المواقف لدى والدي لم تكن مجرد اختيارات نابعة من طبيعته الشخصية، بل إن المصدر الحقيقي الذي وجّه حياته كان فهم الخدمة الذي أوكله المسيح إلى الكنيسة. ومن ثمّ، فإن أن تكون «راعياً صالحًا» يقتضي أيضًا إدراك جوهر هذا الفهم الخدمي في الكنيسة.

وعندما أقارن أبونا توما بمعايير الحقيقة، أرى أن الوعي المسيحي كان يتردّد في حياته بوضوح. فقد سعى إلى تقوية الإخوة الذين ائتمنه المسيح عليهم، لا بقوته الذاتية، بل من خلال تجسيد محبته ورحمته؛ ورغم ما تعرّض له أحيانًا من سوء فهم، اجتهد في أداء مقتضيات هذه المسؤولية. لأنه كان يؤمن بأن كل خدمة تُؤدّى في الكنيسة يجب أن تُنجز بتواضع، وأن تهدف إلى تقريب الناس من المسيح.

ولولا هذا الإحساس بالمسؤولية لدى والدي، لكان من المرجّح أن أكون أنا وإخوتي وأبناؤنا اليوم نعيش في المهجر في ظروفٍ أكثر راحة. وعندها، لربما انقطعت تلك الرحلة الطويلة من الخدمة التي بدأت لعائلتنا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

فأنا، بروح التفاني التي ورثتها عن والدي، أخدم الثقافة السريانية منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. ورغم أن هذه الرحلة جرت غالبًا في ظروفٍ ضيّقة وصعبة، فإنها استمرت دائمًا مستلهمةً قول: «لا تُطفئوا الروح» (1 تسالونيكي 5: 19)، ومتخذةً من إبقاء الأمل حيًا في وجه التشاؤم مبدأً ثابتًا. وفي إطار الظروف المحلية، أبذل ما أستطيع للحفاظ على التوازن وسط التقلبات، ولمواصلة الإنتاج الذي يُنمّي الإرث الثقافي، وذلك من خلال أعمالٍ أقوم بها في مجالي لإغناء جذورنا الروحية.

أما في مجال العمل المدني، فأجعل شعار «الجسور بدل الجدران» مبدأً لي. لأن من أهم ما ينضج الإنسان هو إقامة علاقاتٍ سليمة مع المجتمع والحفاظ على حيويتها. فبناء روابط قائمة على الثقة بين مختلف الفئات ورعايتها يُعد جزءًا لا يتجزأ من مسيرة تطور الإنسان. ومن ثمّ، فإن الجسور ليست مجرد هياكل تربط بين الناس، بل هي أيضًا خدمات روحية تعزّز التفاهم المتبادل وثقافة العيش المشترك.

وفي مرحلةٍ افتقد فيها وطننا التاريخي أبناءه الأصليين، استطعتُ، بتجاوز كل صعوبات المرحلة ومحنها، أن أصل إلى ما أنا عليه اليوم. وعلى الرغم من العروض المغرية والدعوات الملحّة الكثيرة التي تلقيتها من الكنيسة والمجتمع، فقد اخترت، عن وعيٍ وإرادة - سائرًا على خطى والدي- أن أبقى في الوطن الأم بدل الهجرة إلى أوروبا.

لأن بعض القيم لا تزدهر بالمحبة من بعيد؛ وبعض الأمانات لا يمكن صونها عن بُعد، بل تتطلّب محبةً قريبة. ومن هذا الوعي، فإن رؤيتي اليوم لبعض البذور الفكرية التي زرعتها قبل ثلاثين عامًا وقد نضجت وبدأت تُثمر، تُعدّ بالنسبة لي مؤشرًا مهمًا على معنى الاستمرارية. أما رؤية المجتمع بأسره ينتفع من هذه الثمار، فهي مصدر فرحٍ إضافي. ولأني استطعت أن أثبت في هذا الطريق وأواصل هذا الجهد، فإني أحمد العناية الإلهية التي تمنحنا - نحن الضعفاء -القوة والحكمة.

وأرى أنه كلما فُهمت رؤية «الراعي الصالح» في الخدمة، أمكن فهم هذا التفاني فهمًا أدق ضمن معايير الضمير والحقيقة. لأن الإمكانات التي نمتلكها لم تُوهب لنا من أجل أمننا الشخصي وراحتنا فحسب، بل لكي تتكاثر الخيرات، وتتقوّى الأعمال الصالحة، وتُنتج منفعةً للآخرين. وقد أوصى القديس بولس بأن نكون «أغنياء في الأعمال الصالحة، أسخياء، مستعدين للعطاء» (1 تيموثاوس 6: 18).

وتكشف هذه العبارة المعنى الحقيقي للسلطة في الكنيسة. فالسلطة فيها ليست تفوقًا أو امتيازًا، بل أمانة مقدسة تنبع من النعمة الإلهية ومن الدعوة إلى الخدمة بالمحبة. ولذلك، فإن كل مهمة ومسؤولية في الكنيسة - بما في ذلك المناصب، والمؤسسات، والمجالس، واللجان، والوحدات الإدارية - لا تكتسب معناها الحقيقي إلا بقدر ما تقرّب الناس من المسيح وتُظهر محبته.

لأن قوة الكنيسة الحقيقية لا تنبع من سلطتها، بل من جعلها المحبة والعدالة والخدمة في صميم إدارتها. ولهذا، فالمسألة لا تتعلق بالإدارة وحدها، بل هي أيضًا قضية روحية تمسّ الضمير والأخلاق. إذ إن الكنيسة، عندما ترزح تحت أعباء لا تنتمي إلى رسالتها، أو عندما تفقد ثقة الناس بسبب ممارسات خاطئة، فإنها لا تضرّ بسمعتها المؤسسية فحسب، بل تُضعف أيضًا حضور المسيح في العالم.

وفي المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، ثمة حاجة إلى مواقف تتجدّد باستمرار بنور المسيح وتستجيب للاحتياجات، وإلى هيئاتٍ تُميّز بحكمة، وإلى قلوب تجمع بين العدالة والرحمة، وإلى فهمٍ للخدمة يصون كرامة الإنسان.

لأن تجدد الكنيسة الحقيقي لا يبدأ في الحجارة، بل في القلوب. ورسالتها لا تكتمل في الأبنية المتغيرة فحسب، بل في أسلوب الخدمة والإدارة، وفي التشبّه بالمسيح. وعندئذ فقط تستطيع الكنيسة أن تُظهر محبة المسيح وأن تبني الوحدة.

أما بالنسبة لوالدي، فلم يكن مفهوم «الراعي الصالح» مجرد تشبيه، بل كان تجسيدًا حيًا في الحياة اليومية للدعوة الخدمية التي ائتمن بها المسيح بطرس. ويتجلّى جوهر هذا الفهم في القول: «وأنت، متى رجعت، فثبّت إخوتك» (لوقا 22: 32).

نعم، إن جوهر القضية كلّه يتركّز في هذه الكلمة: أن يستطيع الإنسان، وهو يخدم الحياة، أن يحافظ على تواضعه دون ادّعاء تفوّق؛ وأن يصون موقفه الأخلاقي دون أن ينجرّ إلى التسلّط، مستمعًا إلى صوت الضمير. وعلى الإنسان، وهو يفعل ذلك، أن يعرف نفسه أولًا؛ ثم يؤدي مسؤوليته في تقوية إخوته بمحبة ورحمة وأمانة.

لأن القيمة الحقيقية للأمانة لا تُقاس بما نملكه منها، بل بمدى قدرتنا على تحويل ما نملكه إلى خيرٍ ومنفعةٍ مشتركة.

 

يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

[1] هذا النص ليس مديحًا يكتبه ابنٌ لوالده. بل هو، على العكس، تعبيرٌ صادق عن محاولة مربٍّ وكاتبٍ يجول في أعماق الثقافة السريانية، ويسعى إلى استنباط معانٍ منها إلى حاضرنا؛ لفهم وتفسير الروح وفهم الخدمة اللذين وجّها حياة  كاهنٍ (أبونا) اختار، بروح التفاني، الثبات في الوطن الأم.

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com