مرآةُ الإنسان - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

مرآةُ الإنسان

Mlfono Yusuf Beğtaş
مرآةُ الإنسان

مرآةُ الإنسان

في خِضَمّ مشاغل الحياة، يفسّر كلُّ إنسانٍ الأمورَ ويمنحها معناها وفق عالمه الداخلي وما يحمله ذلك العالم من أدوات. لأن الإنسان يظنّ أنه يرى ما هو خارجَه، بينما هو في الحقيقة لا يرى إلا ما في داخله.

فالإنسان الذي يُعلي من شأن الكرامة الإنسانية والعمل، ويتحلى بدوافع بنّاءة، ويكون غيريًّا فاضلًا؛ يرى الجميع على شاكلته. يقرأ الجميع بحسن نية، وينظر بنقاء، ويفكّر بصفاء، ويتصرّف بطهارة. لأن منظومته في الإدراك والتقييم متقدّمة. في قلبه عدل، وفي قوله صفاء، وفي فعله نور. لأنه يعلم أن جوهر الإنسان هو ذاته ما تعكسه عيناه.

غير أنّ الإنسان الذي لا يُقدّر الكرامة الإنسانية ولا العمل، والذي تحكمه دوافع فاسدة ونزعات أنانية، فإن الأحكام المسبقة والأوهام هي التي تتكلم فيه، فتُحجَب الحقائق.

ولهذا فإن الكذّاب يظنّ الجميع كذّابين، والسارق يعتقد أن كلَّ أحدٍ يترصّد الفرص، وعديم الشرف يحسب الناس جميعًا بلا مبدأ، والوقِح يتوهّم أن الجميع بلا حدود. فالمرء يظنّ الآخرين منشغلين بما هو منشغل به، ويقيسهم بما يقيس به نفسه، ويتّهمهم بما يُخفيه. لأن روحه معتلة، ومنظومته في الإدراك والتقييم قاصرة، وهو مثقل بالعُقَد.

ذلك أن الإنسان في الحقيقة لا يرى مَن أمامه، بل يرى العالم القائم في داخله. قد ترغب العين أن تنظر بعيدًا، لكن إن كان القلب ملوّثًا ضاق مجال الرؤية. فالحقيقة ليست في الخارج، بل في الداخل. ومن أراد أن يرى الخارج رؤيةً صافية، فعليه أولًا أن يُنقّي باطنه. فالحكمة الحقيقية تبدأ من رؤية الإنسان لداخله. ومن أبصر داخله استطاع أن يفهم غيره. وعندئذٍ يستقيم كلّ شيء في موضعه: من طهّر نفسه طهّر العالم، ومن أكرم ذاته أكرم الإنسان، ومن عرف نفسه اقترب من خالقه.

وخلاصة القول، إن من لم يرَ جوهره في نورٍ صافٍ، لا يستطيع أن يرى الحقيقة رؤيةً تامّةً مستقيمة، إذ تتداخل بينها أشياء كثيرة.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com