الحنين وعيد القيامة - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

الحنين وعيد القيامة

Mlfono Yusuf Beğtaş
الحنين وعيد القيامة

يُحتفل بعيد الفصح / عيد القيامة في العالم المسيحي وفق تقويمين مختلفين: أحدهما الغر يغوري، والآخر اليولياني. كما تواصل الكنائس السريانية المنتمية إلى مذاهب مختلفة هذا التقليد. نحن نؤمن بقيامة واحدة؛ غير أننا أحيانًا نبلغ الحقيقة ذاتها في أيام مختلفة.

ليس مهمًا أن يُحتفل به وفق هذا التقويم أو ذاك؛ فاختلاف الأيام لا يمس الجوهر. إن القضية الحقيقية هي متى ينهض الإنسان في داخله. إن المعنى الأصيل لعيد القيامة يكمن في القدرة على إدراك جوهره الذي يخاطب الروح، وفي عيش هذا الجوهر دون إهمال الولادة الثانية التي تتحقق في داخل الإنسان.

القيامة هي تحوّل النور الذي يشق ظلمة القبر إلى يقظة في داخل الإنسان. إنها وعي جديد، وحياة جديدة، ومسيرة حياة متحوّلة. وهنا لا يكتفي الإنسان بأن يتغير فحسب؛ بل يبدأ أيضًا في إضاءة طريق الآخرين، إذ يُكثّر ما في داخله من محبة ورحمة وتعاطف. وهكذا تغدو القيامة تحوّلًا روحيًا لا يقتصر على تجددٍ يبقى حبيس الذات، بل يحمل الأمل والنور إلى المحيط أيضًا.

في كلمتي التي ألقيتها يوم الأحد 5 نيسان 2026 في وادي داس في هكّاري، توقفتُ عند هذا الموضوع على نحو خاص. ذكرتُ أن عيد الفصح في المسيحية يُحتفل به وفق تقويمين مختلفين، وأن الكنائس السريانية المنتمية إلى مذاهب متعددة تتبع هذا العرف كذلك. وقد أشرتُ إلى ذلك من أجل تهنئة بعض أصدقائنا في المجموعة بعيدهم، وللتذكير بأن الإيمان نفسه يُعاش بالمحبة ذاتها وبالفرح نفسه، وإن اختلفت الأيام. لأن العيد الواحد، حتى وإن احتُفل به في تواريخ مختلفة، يحمل في جوهره النداء نفسه.

أحيانًا يعرف الإنسان الحقيقة ذاتها؛ لكنه لا يشعر بها إلا بعد سنوات. وأحيانًا يبقى معنى عيدٍ ما مختبئًا في ترنيمة سُمعت في الطفولة. وأحيانًا أخرى ينبعث من جديد بين حجارة كنيسة مهجورة بعد أعوام طويلة. في تلك اللحظة، لا تعود ذكرى فحسب؛ بل يبدأ جزء في داخل الإنسان، ظل صامتًا زمنًا طويلًا، بالكلام من جديد.

لقد شعرنا بهذا بعمق خلال الرحلة التي قمنا بها إلى منطقة هكّاري. برفقة أعضاء اتحاد الشباب الآشوري المقيمين في أوروبا، زرنا قرى حُرمت من أبنائها، وكنائس نصف مهدّمة، ووديانًا كانت يومًا ما نابضة بالحياة. عشنا في آنٍ واحد الفرح والحزن معًا. لأن الأماكن التي رأيناها لم تكن مجرد حجارة وجدران؛ بل كانت ذاكرة شعب، وصلاته، وقصته التي لم تكتمل.

في قرية جيرامون وفي قرية هلال التابعة لوادي داس، دخلنا كنيستين ما زالتا تقاومان البقاء رغم جميع الظروف القاسية. وفي ذلك الجمال، رتّلتُ في كلتا الكنيستين ترنيمة سريانية. تلك الترانيم التي ترددت أصداؤها في صمت الجبال والوديان العميق، بدت وكأنها توقظ ذكرى كانت تنتظر منذ سنوات طويلة. لم توقظ الماضي فحسب؛ بل أيقظت أيضًا الصوت الكامن في داخل كل من شارك في تلك الرحلة...

وفي تلك اللحظة أدركتُ مرة أخرى أن القيامة ليست مجرد الخروج من القبر. القيامة هي إحياء الجوانب التي ماتت في داخل الإنسان لأسباب متعددة؛ هي نهوض الخير، والأمل، والشجاعة، والقدرة على المحبة من جديد. هي تذكّر ما نُسي، وإعادة محبة ما تُرك، وسماع صوتٍ أُسكت من قبل. وأحيانًا، تكون العودة لزيارة وطنٍ لم يُزر منذ سنوات طويلة، عودةً إلى روح الإنسان ذاته.

وصليب المسيح هو أعمق تعبير عن هذه الحقيقة. فالصليب ليس مجرد رمز للألم والتضحية، بل هو أيضًا أسمى تجلٍّ للمحبة والتعاطف اللذين لا يُقصيان الإنسان ولا يتجاهلان اختلافاته وفرادته. لقد لم يتخلَّ يسوع المسيح عن المحبة، رغم الذين أنكروه وأقصوه وآذوه. وهكذا أرانا أن عظمة الإنسان الحقيقية لا تكمن في التفوق والهيمنة، بل في الفهم والمشاركة والرحمة.

أما العثور على القبر فارغًا بعد ثلاثة أيام، فليس مجرد هزيمة للموت فحسب. إن قيامة يسوع المسيح هي أعظم علامة على انتصار النور الإلهي على الظلمة؛ وهي إعلان بأن المحبة أقوى من الخوف، وأن التعاطف أسمى من الكراهية، وأن الأمل يغلب اليأس. القيامة هي نهوض المحبة والتعاطف من جديد، وأن يجد الإنسان معنى لحياته مرة أخرى، وأن يختار التوجّه نحو النور حتى في قلب الظلمة.

لأن الوجود لا يعني مجرد التنفّس. الأكل، والكلام، والعمل، والضحك، والسقوط، والنهوض، والفرح، والحزن… كلّها علامات على الحياة؛ غير أنّ الجوهر الحقيقي الذي يجعل الإنسان إنسانًا أعمق من ذلك بكثير. فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة، ومع ذلك قد يمضي حياته دون أن يستيقظ لنفسه يومًا. يعيش دون أن يسمع صوته الداخلي، ودون أن يتعرّف إلى جوهره، منساقًا في زحام الحياة، محكومًا بالعادات، سائرًا وفق ما حُفِظ وتكرّر… ويسمّي ذلك حياة.

غير أنّ في داخل الإنسان حقيقة أخرى، غالبًا ما تنتظر في صمت. فنحن، في كثير من الأحيان، نعيش بما نظنّه هويتنا: باسمنا، وعملنا، وأدوارنا، وماضينا، وجراحنا، ومخاوفنا… ونحسب أن كلّ ذلك هو نحن. لكن عيد الفصح يهمس لنا: لسنا محصورين في هذه الأشياء. في داخلنا حقيقة أقوى من الموت.

ولعلّ لهذا السبب لا يُعدّ الاحتفال بعيد الفصح وفق تقويمين مختلفين سببًا للفرقة أو الاختلاف. فمن الناس من ينهض باكرًا، ومنهم من يتأخر. منهم من يختبر ذلك في طفولته، ومنهم من يختبره بعد سنوات حين يعود إلى موطنه. منهم من يجده في كنيسة، ومنهم من يجده في رحلة، ومنهم من يجده في قلبه بعد صمتٍ طال سنين.

سواء أتى وفق التقويم الغر يغوري مبكرًا، أم جاء وفق التقويم اليولياني متأخرًا…

فإن حقيقة القيامة تبدأ في اللحظة التي يعبر فيها الإنسان من الظلمة إلى النور في داخله. قد تختلف التقاويم، وقد تحتفل الكنائس في أيام متباينة؛ لكن للقيامة التي تحدث في قلب الإنسان وقتٌ واحد: لحظة استعادة الإحساس بالحقيقة.

إن الفصح الحقيقي ليس مجرد ذكرى لمعجزة وقعت في الماضي، بل هو إحياء لكل ما يجعل الحياة أجمل وأغنى. إنه قيامة يستطيع كل إنسان أن يعيشها في داخله مرارًا؛ انتقال من الخوف إلى الرجاء، ومن النسيان إلى التذكّر، ومن التشتت إلى التماسك، ومن الفوضى إلى النظام.

في وديان هكّاري المفعمة بالأكسجين، وبين حجارة الكنائس المهجورة، شعرتُ بهذه المعاني بعمق. لأن حكاية الشعب السرياني الذي تفرّق من هذه الأرض إلى أنحاء العالم لم تنتهِ بعد. فما زال هناك من يعود إلى تلك الديار. وما زال هناك من ينشد الترانيم السريانية التي تتردّد في تلك الكنائس. وما زال هناك من لا يكتفي باستذكار الماضي، بل يسعى إلى حمله نحو المستقبل.

ولعلّ الحنين يجد معناه الحقيقي هنا. فالحنين ليس مجرد اشتياق إلى الماضي، بل هو القدرة على العثور في الحاضر على ما فُقد في الماضي. هو إحياء صوت، أو لغة، أو ترنيمة، أو قرية، أو إيمان. لأن الإنسان، حين يستعيد الماضي، لا يستعيد الأيام الخالية فحسب، بل يعثر على نفسه من جديد.

وربما تكون القيامة، في جوهرها، هي هذا تمامًا: أن ينهض من جديد ما ظُنّ أنه مات؛ شعبٌ، أو ذكرى، أو إيمان، أو روح الإنسان ذاته.

https://www.youtube.com/watch?v=GCM-R18YtFE (ذكريات الفصح)

https://www.youtube.com/watchv=w4uCGzlhFmY (الترنيمة الأولى)

https://www.youtube.com/@karyohliso/shorts (الترنيمة الثانية)

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com