النقاء الداخلي ومعيار الخير - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

النقاء الداخلي ومعيار الخير

Mlfono Yusuf Beğtaş
النقاء الداخلي ومعيار الخير

إنّ محيط الحقيقة قائم هناك؛ واسعٌ كريم. أمّا نحن فنقف على شاطئه نحاول أن نغترف منه بملعقة صغيرة. نظنّ ما أخذناه كثيراً، ولا نكاد ندرك في أغلب الأحيان عمق عطشنا. والحال أنّ القضية ليست في عظمة المحيط، بل في ضيق وعائنا.

إنّ الإنسان لا ينتفع من المحيط إلا بقدر ما يستطيع أن يحمل. لذلك ينبغي لنا أن نُكبّر ملعقتنا لنأخذ أكثر. غير أنّ المسألة الحقيقية تتجاوز مجرّد تكبير الملعقة؛ إذ يبدأ التحوّل الحقيقي حين تتحوّل الملعقة إلى وعاء. فالوعاء لا يحمل السعة فحسب، بل يحمل أيضاً النيّة، والموقف الأخلاقي، والصدق.

وكلّما اتّسع وعاؤنا ازداد ما نأخذه من ماء المحيط. غير أنّ هذا الاتساع لا يتعلّق بالعدد، بل بالعمق. فالانسجام الأخلاقي يُحكم الوعاء، والصدق يُرمّم شقوقه. أمّا الوعاء المتناقض فيُسرّب الماء، والوعاء المتزيّن بلا إخلاص يبدو ممتلئاً، لكنه لا يُشبع.

ولهذا فإنّ الحكمة لا تكمن في لوم المحيط، بل في الشجاعة على توسيع الوعاء. فلا يمكننا إدراك السَّعة ما لم نواجه ضيقنا. فالمعنى ليس شيئاً يُؤخذ من الخارج، بل هو امتلاء حيّزٍ مُهيّأ في الداخل.

فالمحيط باقٍ على حاله؛ لا يتغيّر. وإنّما الذي يتغيّر هو: ماذا نأخذ، وكم نأخذ، وكيف نأخذ.

ذلك أنّ الطريق إلى فهم الإنسان، في الجملة، يبدأ بالأخلاق قبل الذكاء. فالعقل، مهما بلغ من الحِدّة، إن لم يكن القلب نقياً، فإنّ هذه الحِدّة لا تخدم الحقيقة، بل كثيراً ما تخدم الأنانية والمصلحة. لأنّ الذهن الذي يفتقر إلى الاتساق الأخلاقي يُنتج أفكاراً، لكنه لا يبني معنى. فالعقل يتعمّق بقدر اتساع القلب أخلاقياً، أمّا الفكر الذي لا يتغذّى بالصدق، فيسقط سريعاً في تناقضه.

والصدق هو أصدق علاقة يقيمها الإنسان مع نفسه. فمن لم يكن صادقاً في عالمه الداخلي، لا يجرؤ على فهم غيره. ومثل هذا الذهن، بدلاً من أن يتجه إلى الفهم، يلوذ باتخاذ المواقف. فيُصنّف الحياة على أساس الثنائيات؛ لأنّ التفريق أيسر من المواجهة. وعند هذه النقطة تتحوّل الدهاء إلى قناعٍ يُخفي ضعفاً أخلاقياً متستّراً بالذكاء، وتغدو المكرية أسلوباً صامتاً للدفاع عن التناقض.

غير أنّ الاتساق الأخلاقي يردم المسافة بين أقوال الإنسان ومواقفه. فالانسجام بين ما يُقال وما يُعاش يمنح الفكر وزناً ويكسبه ثقة. وإذا غاب الاتساق أقنع العقل، لكنه لا يُحدث إيماناً. وإذا فقدت الكلمات صدقها، فقد تكون مؤثّرة، لكنها لا تكون مُحوِّلة.

ولهذا، ليس كلّ من رأى أو قرأ يستطيع أن يفهم. فالفهم ليس مجرّد كفاءة ذهنية، بل هو حالة من النضج الأخلاقي. إذ يفهم كلّ إنسان بقدر سعته، وبقدر نيّته، وبقدر علمه، وبقدر وعائه. ومن لم يعزم على تطهير قلبه، ولم يواجه نفسه بصدق، ولم يُصدّق قوله بعمله، ظلّ المعنى بعيداً عنه؛ لأنّ الإدراك لا يقترب إلا من القلوب القادرة حقّاً على حمله.

ومن هنا فإنّ «الوعي المسيحي» يُقدّس الاتساق بين القول والعمل. ففي هذا الوعي لا يكفي أن يعرف الإنسان؛ إذ لا تكتسب المعرفة معناها إلا حين تتحوّل إلى فعل. فإذا بقي الخير فكرةً في الذهن أظلَمَت الروح. وقد ينشأ الشرّ أحياناً من السكون والامتناع، أمّا الخير فيتحقّق بحركة الوعي الرحيم المنبعث من القلب. وكما كُتب: «فمن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطيئة له» (يعقوب 4: 17).

بل ينبغي، حتى عند فعل الخير، أن يتحرّى الإنسان ألّا يُلحق ضرراً بالآخر دون أن يشعر. فالرأفة التي لا تراعي نزعات الطرف الآخر قد تُثقِل الروح. والرحمة إذا تجاوزت حدودها قد تُفضي إلى الضرر، والتضحية إذا جاوزت قدرها قد تُرهق. وقد تُفسد النيّة الحسنة السكينة إذا خدمت دوافع سيئة أو صارت وسيلةً للاستغلال؛ لأنّ الخير الذي يُقدَّم دون طلبٍ من الآخر لا يُدرَك دائماً على أنّه خير.

ذلك أنّ الغاية الوحيدة للخير هي الخير نفسه. ومن ثمّ فإنّ الإسهام المتوازن في مجرى الحياة يمرّ عبر وعيٍ عالٍ قادرٍ على تحليل الوقائع. وعند الذين لم يهدأ ضجيجهم الداخلي، يكون الخير الذي يصون الكرامة الذاتية أسمى قدراً. فإذا حُفظت الحدود، ازدادت قيمة الذات اعتباراً. وحينئذٍ يجد الخير معناه؛ فيمنح السكينة ويرفع الروح.

غير أنّ روح التواضع والتفاني، التي ترى الآخر على مثال الذات في بيئتنا، كثيراً ما تكون عرضةً لسوء الفهم. ولذلك فإنّ الخدمة التي تُؤدّى بهذه الروح لا تُقدَّر في كثير من الأحيان حقّ قدرها. وقد سجّل القديس مار أفرام النصيبيني (306–373)، الذي خبر هذا الأمر بنفسه، هذه الكلمة التي بلغت إلينا عبر العصور:

«ܐܶܢ ܐܶܬܡܰܟܟܬ ܚܰܫܒܽܘܼܟ ܕܠܳܐ ܚܰܘܪܳܐ» أي: «إذا تواضعتَ، ظنّوك عديم الخبرة أو قليل الأدب.»

غير أنّه، ومع ذلك، فإنّ التواضع الذي لا ينفتح على الاستغلال ولا يقبل الامتهان، شرطٌ لا غنى عنه لرؤية الصورة الكبرى وفهم الإنسان؛ إذ ليس من اليسير إدراك ذلك من دونه. لأنّ العقول التي تُحرَم من معرفة الصورة الكلية، ومن هداية الضمير، ومن نور العدالة، تسارع إلى الاحتماء بظلال الأحكام المسبقة السلبية. وعندئذٍ تتقدّم التصوّرات على الحقائق والوقائع؛ فيُؤمن لا بما هو مرئي، بل بما هو مُختلَق. ومن ثمّ تتحوّل التقييمات المطروحة إلى تأويلات سلبية لا تستمدّ مادتها من صفاء الحقيقة، بل من مواقف الظلمة.

أمّا التأويل والتقييم اللذان يتغذّيان من حكمة الروح، فإنّهما يقدّمان للحياة إسهاماً إيجابياً؛ يُنتجان الخير، ويرفعان الإنسان والمجتمع ويُعليان شأنهما. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ التقييم الصادر عن نزعات الأنا الأنانية يترك أثراً سلبياً في الحياة؛ يُنتج الضرر، ويُنهك الإنسان والمجتمع ويُسقطهما.

ذلك أنّ بين النظر والرؤية خيطاً دقيقاً. وهذا الخيط بالغ الأهمية في إدراك الصورة الكبرى وقراءة الوقائع. غير أنّ بعض من يفتقرون إلى عمق القلب (المعنى) والنضج الفكري، يتوهّمون — بإغفالهم أثر القلب — أنّ هذا الخيط إنما هو شأنٌ عقليّ محض. ولهذا فإنّ كلّ إنسان يفسّر بحسب ضيق عالمه الداخلي أو سعته، ويُضفي المعنى على الأحداث وفق معايير ذلك العالم.

فالإنسان الغيور على كرامة الإنسان وجهده، صاحب الدوافع البنّاءة، الإيثاريّ الفاضل؛ يرى الآخرين على مثال نفسه، ويقرأهم بحسن نيّة، وينظر بنقاء، ويفكّر بنقاء، ويتصرّف بنقاء. أمّا من لا يعبأ بكرامة الإنسان وجهده، ويتحرّك بدوافع فاسدة وأفكار مختلّة، فإنّ الأحكام المسبقة والأوهام هي التي تتكلّم فيه. فما يشغله يظنّ الجميع منشغلين به، وما يقيس به يقيس الناس عليه. فالمتكبّر يرى الناس متكبّرين، وصاحب الأنا يرى الناس أصحاب أهواء. ومن خلا من الفضيلة رأى الناس بلا فضيلة. والكاذب يظنّ الناس جميعاً كاذبين، والسارق يعتقد أنّ الجميع يترصّد الفرص، وعديم الشرف يرى الناس على شاكلته بلا مروءة، والوقح يظنّ الناس جميعاً متجاوزين للحدود. إذ إنّ الإنسان كثيراً ما يرى لا الآخر، بل انعكاس المرآة الكامنة في داخله. ولذلك فإنّ القول: «المرء يقيس غيره على نفسه» في غاية الدلالة هنا، وهو ما يُعرف في علم النفس بالإسقاط. ومع ذلك، فإنّ الجوهرة في عينٍ عاديّة ليست إلا حجراً، أمّا في نظر الصائغ فهي لا تُقدّر بثمن.

ومن ثمّ فإنّ الصفاء الداخلي يجعل جمال الآخر وفضائله أكثر وضوحاً. فإذا كان العالم الداخلي للإنسان ملوّثاً صاخباً، غدت محاسن الآخر — من أخلاق وخير ورحمة وفضائل — كأنّها غير مرئية. لأنّ الجمال ليس صفةً قائمةً في الخارج فحسب، بل هو مرتبط بعالم من يراه الداخلي، وبصفائه الروحي، وبمستوى إدراكه. وهذا إنّما ينشأ من كون العين الناظرة — أي القلب والعقل — مغلقةً عن الجمال. وقد عبّر المسيح عن هذه الحقيقة بعمق بقوله: «سراج الجسد هو العين؛ فإن كانت عينك سليمة فجسدك كلّه يكون نيّراً، وإن كانت عينك فاسدة فجسدك كلّه يكون مظلماً» (متى 6: 22–23).

وهذا يدلّ على أنّ العين ليست أداةً لرؤية العالم الخارجي فحسب، بل هي مركزٌ يُنير أو يُظلم به عالم الإنسان كلّه. فالجمال ليس في المنظور، بل في صفة الناظر. فالعين التي ترى الجمال إنّما تعكس الجمال الكامن فيها. وجمال العين إنّما ينبع من نور الروح. والعين التي تُبصر الجمال تدلّ على روحٍ حاملةٍ للجمال ويقظةٍ حيّة. فمثل هذه العين ترى المعنى والانسجام في الآخر وتُقدّرهما. أمّا العين التي لا ترى، فإنّها تنظر من وراء حجاب ظلمتها. إذ «حقيقة الإنسان هي ما ترى به عينه؛ فالعين باب القلب، فإذا تلوّث القلب خبا نور العين».

ولهذا، فإنّ من كان ذهنه مضطرباً وقلبه مكدّراً، لا يبلغ جوهر الجمال مهما نظر إلى أجمل المناظر. أمّا في العلاقات القائمة بين الذوات، فإنّ الاحترام يعمل بطبيعته. ويقوم هذا المنهج على المساواة والحرية والوحدة. فالوعي الذي تحقّق بذاتيته لا يُحوّل أحداً إلى موضوع. غير أنّ أعمى نقاط الإنسان غالباً ما تكمن هنا: فإذا كان في الداخل لا يزال يعمل وعي «الاستغلال/الامتهان — التشييء/التحوّل إلى شيء»، فإنّ الإنسان يبحث عن أنماط من السلبية تشبهه، وقد لا يدرك حتى سلبيته هو.

إنّ الصفاء الداخلي قد يغيب عن أعين العالم، غير أنّ صلته بالحقيقة تجعله ظاهراً في المستوى الروحي، متحوّلاً إلى نور. وذلك النور، حين يحين أوانه، يُنير طريق الإنسان.

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com