
في الثقافة السريانية، لا يكتمل الإنسانُ بذاته منفردًا، بل ينضج في شبكة العلاقات. فكلُّ لَمسةٍ إيجابيةٍ تمتدّ إلى الآخر إنما هي تجلٍّ للصورة الإلهية التي يحملها في قلبه. لذلك فإن كلَّ إحسانٍ يُوجَّه إلى الغير لا يقوّي المُخاطَب وحده، بل يُعزّز روحَ الفاعل أيضًا.
لقد أقام المسيح الأخلاق لا على شريعةٍ مطوّلة، بل على جملةٍ واحدةٍ أودعها في ضمير الإنسان: «كما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا أنتم أيضًا بهم» (لوقا 6:31؛ متى 7:12).
هذه الكلمة لا تدعو الإنسان إلى إصلاح الآخرين، بل إلى وزن نفسه أولًا؛ لأن كلَّ فعلٍ يتجه نحو الآخر يكشف في الحقيقة عمّن نكون. إنّ ألا نريد للآخر ما لا نريده لأنفسنا هو أبسط معايير الإنسانية، وأثقلها في آنٍ واحد.
إن دعوة المسيح لا تدفع الإنسان إلى الحذر من الآخر، بل إلى تحمّل المسؤولية تجاهه. وهكذا تخرج الأخلاق من كونها مجرّد ردّ فعلٍ دفاعي، لتصبح حالة وعيٍ معيشة. فالإنسان، من خلال سلوكه مع الآخرين، يُفصح عن صورة العالم الذي يتمنّاه لنفسه.
هذا المبدأ لا يكتفي بدعوة الإنسان إلى اجتناب الشر، بل يوجّهه نحو الخير الواعي. فـ«عدم الإيذاء» هو الحدّ الأدنى للأخلاق، أمّا في الثقافة السريانية فإن الأخلاق تبدأ بعد هذا الحد. المطلوب ليس براءةً سلبية، بل مسؤوليةً فاعلة؛ إذ يغدو الخير حالةً تحدّد اتجاه الإنسان، لا مجرّد خيارٍ عابر.
في لغة الثقافة السريانية، الحبّ حركةٌ إلهية تنفتح بها ذات الإنسان نحو الخارج. وليس الحب شعورًا باطنيًا فحسب، بل هو ناقصٌ إن لم يتحوّل إلى فعل. لذلك فإن الإنسان، من خلال تعامله مع الآخرين، يكشف ليس عن أخلاقه فقط، بل عن مدى حيوية الصورة الإلهية الكامنة فيه. ومن هنا، لا تعود الأخلاق قانونًا يضع الحدود، بل طريقًا يدعو الإنسان إلى تجاوز ذاته. إن إرادة الخير للآخر كما نريده لأنفسنا هي مسؤولية إبقاء الشرارة الإلهية حيّة في الداخل، وهي أهدأ النداءات وأثقلها.
هذه الدعوة لا تُبقي الإنسان في موضع الدفاع، بل تحثّه على السير. فقول «لم أرتكب شرًا» لا يكفي؛ بل السؤال الحقيقي هو: ماذا صنعتَ من أجل الخير؟ إذ ترى الثقافة السريانية تشابه الإنسان مع الله لا في براءةٍ سلبية، بل في تجسّد الرحمة والعدل. فالصورة الإلهية لا تحفظ بالانغلاق، بل تحيا بالمشاركة. وهكذا تضع كلمة المسيح على عاتق الإنسان عبئًا بسيطًا في لفظه، عظيمًا في معناه: أن نبني للآخر العالم الذي نريده لأنفسنا. وهنا تبدأ الأخلاق.
ومن ثمّ، تُقرأ هذه الكلمة لا كقاعدةٍ فحسب، بل كتربيةٍ للنفس. فالأخلاق ليست نظامًا مفروضًا من الخارج، بل توازنًا يُبنى في القلب. الإنسان كائنٌ علائقيّ، لا فردٌ معزول؛ ولذلك فإن دعوة المسيح موجّهة إلى إصلاح الداخل قبل الخارج. فميزان العدل ليس في يد الآخر، بل في قلب الإنسان ذاته.
غالبًا ما يكون الإنسان رقيقًا مع نفسه، قاسيًا مع غيره؛ يطلب العدل حين يُظلَم، ويصمت حين يُظلَم غيره؛ يعدّ توقعاته حقًا، ويرى توقعات الآخرين عبئًا. غير أن الحكمة السريانية تتصوّر قلب الإنسان ميزانًا؛ فإذا اختلّ هذا الميزان، لم تضطرب العلاقات فحسب، بل تزعزعت علاقة الإنسان بالله أيضًا.
لهذا لا تكتفي هذه الثقافة بتجنّب الشر، بل تُلزم بالخير الواعي. فالحبّ فيها ليس شعورًا سلبيًا، بل فعلًا متجسّدًا. ومن خلال معاملة الإنسان للآخرين يتبيّن مدى حياة الصورة الإلهية في داخله.
ويتردّد هذا المبدأ بصيغةٍ أبسط: لا ينبغي أن نريد للآخر ما لا نريده لأنفسنا.
إن هذه الكلمة تضع أبسط معايير الأخلاق وأثقلها. فإذا رضي الإنسان لغيره بما لا يقبله لنفسه، فقد جعل العدل تابعًا للظروف لا للمبادئ. أمّا الفضيلة فهي شجاعة الحفاظ على توازنٍ داخلي لا يتبدّل بتبدّل الأحوال، وأن يبقى الميزان ثابتًا لكل إنسان دون تمييز.
إن ازدواجية المعايير تُنهك العلاقات أولًا، ثم تُآكل الضمير. والضمير شاهدٌ صامت لا يحتمل التناقض طويلًا؛ وما يبدأ تصدّعًا في الداخل، يمتدّ ليُضعف علاقة الإنسان بنفسه وبالله. ولترميم هذا الخلل، تدعو الكلمة إلى التعاطف، لا بوصفه تبادلًا سطحيًا للمواقع، بل نظرًا إلى قلب الآخر عبر هشاشة القلب الإنساني ذاته. فما يجرحنا يجرح غيرنا، وما يؤلمنا يؤلمهم. والإنسانية هي بلوغ هذا الوعي المشترك بالهشاشة.
وغالبًا ما يُصان السلم الاجتماعي لا بالقوانين المعقّدة، بل بهذا المبدأ البسيط العميق. فإذا تعامل الناس وفق هذا الميزان، لم ينتشر الظلم، ولم يصبح الجور أمرًا مألوفًا. وحين لا يرضى أحدٌ لغيره بما لا يرضاه لنفسه، ينبت الأمن والسلام من تلقاء ذاتهما.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment