
الإنسان يأخذ هويته الحقيقية وقيمته ليس من أحكام العالم الخارجي المتقلبة، بل من المصدر الداخلي الإلهي. لأن التركيز الأساسي للإنسان يحدد وقفته مباشرة. حيث يوجد التركيز يتدفق الاتجاه؛ وحيث يتدفق الاتجاه يتشكل الخلق تدريجيا.
في الحكمة السريانية، "معرفة من أنت في المسيح" تعني معرفة الذات من نظرة الله. هذا الإدراك يجعل الشخص يدرك أن قيمته لا تعتمد على إعجاب الناس أو نقدهم أو موافقتهم. لأن الإنسان متغير: إذا لم تتغذ أفكاره من الحقيقة والعدل، يمدح اليوم بحسب حالته الداخلية ويسب غدا.
لذلك من يعطي تركيزه لأفكار الناس السلبية يترك روحه في بحر متلاطم دائما. لهذا قيل: "من ينظر للإنسان يضل، ومن ينظر لله يحيا".
حين ينتقل التركيز الأساسي للإنسان إلى العالم الخارجي، تبدأ الوقفة الإنسانية في الضعف. ينحني الشخص لطلب القبول، يتنازل عن نفسه للهروب من النقد، يبتعد عن الحقيقة للحصول على المديح. في مثل هذا التركيز لا تستقر الوقفة؛ بل تتغير بحسب الظروف.
أما من يوجه تركيزه إلى الإلهي، أي إلى الله، فيكتسب مركز داخلي. هذا المركز يجعله مستقلا عن التأثيرات الخارجية. مثل هذه الوقفة لا تكبر بالمديح ولا تصغر بالنقد. لأن مصدر تغذيته ثابت لا متغير.
إذا بنى الإنسان هويته على الآخرين، تصبح الهوية هشة. تنصدع بأقل نقد، وتتغير كتوجه بأقل مديح. لكن من يستند إلى الله وعلى عدله يكتسب توازنا داخليا لا يتزعزع. لهذا قال المسيح: "اطلبوا أولا ملكوت الله وعدله، فكل هذا يزاد لكم" (متى 6:33).
هذا القول لترتيب الفوضى الداخلية. يهدف إلى توجيه الإنسان نحو وجود صحيح. يعبر عن حالة داخلية لا مكان خارجي.
حين يكون أولويتنا النظام الروحي، يجد المادي مكانه تلقائيا. حين تكون الحقيقة الأولوية تُفْتَح أبواب الحرية. عندها تصبح الممتلكات والحاجات ليست أدوات عبودية. يحل الفهم والتعاطف محل القلق والطمع. هذا يعني تحررا عميقا. الإنسان لا يعيش بعد بحسب "ماذا يقولون". النقد لا يهدمه، والمديح لا يكبره. لأن تقييمه الذاتي قوي؛ يعرف جيدا من هو.
حقيقة "لن يفهم الجميع" ليست نقصا، بل طبيعة الحياة. كل إنسان له مستوى إدراك ونظرة وعمق مختلف. انتظار فهم الجميع يثقل كاهل الإنسان عبئا زائدا. قبول هذه الحقيقة يولد حرية تخفف الروح.
هنا تولد القيمة الذاتية الحقيقية والثقة بالنفس: ليس من الخارج بل من الداخل؛ ليس من الناس بل من الرابطة مع الله...
لذلك دائمة، لذلك ثابتة. لأن جذورها ليست في نظام العالم الزائل، بل في الحقيقة داخل الإنسان. وقال القديس أوغسطينوس (354-430): "لمَ تركز على أعمال الآخرين الملتوية وتهمل أوامر الله؟"
هذا القول يحول انتباه الإنسان من فوضى الخارج إلى المسؤولية الداخلية. لأن التحول الحقيقي يبدأ بتطهير الذات لا بإصلاح الآخرين.
في النهاية، حين يوجه الإنسان تركيزه إلى المكان الصحيح -أي الله- تثبت وقفته الإنسانية. أما إذا فقد تركيزه تتفكك وقفته. لذلك المسألة ليست فقط من نحن؛ بل أساسا أين نضع تركيزنا.
وهكذا حين يعرف الإنسان ذاته من المصدر الصحيح، لا يسيطر صوت العالم الخارجي عليه بعد. فيكتسب سلاما داخليا حقيقيا ووقفة وجودية راسخة.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment